عندما يتعلق الأمر بالصور، أستطيع أن أنافس أشد حراس بيت المال في زمن أبخل سلاطين العصور، ولا أعرف سبب هذا الطبع الغريب، فكل الصور القديمة لعائلتي بحوزتي، أجمعها منذ زمن بعيد لم اعد أذكره، وإن كانت بعض الصور تؤكد أني بدأت هذه العادة حتى قبل مولدي؛ لدي اعتقاد قوي أن هذه الصور ملك خاص لي، ولي قناعة تامة أنهم لن يحافظوا عليها، وسيهملونها، فأقرر نيابة عنهم أن أحفظها لهم؛ ومع الوقت، ادعي ملكيتها الخاصة، وفي إثبات ذلك لا أعجز عن الحجة؛ فتارة أقول إني من التقط هذه الصور، ومرة أقول إني من تكلفت بتحميضها، وعندما أعجز تماما، أستخدم صلاحياتي كوني اكبر الأبناء في الأسرة وهذا يلزمني بحفظ مكتنزاتها· ينحصر جل همنا عندما نلتقط الصور في أن نكون رائعين، فنحرص كثيرا على ما نرتديه وكيف تظهر أجسادنا متناسقة وخلفيات الصورة مرتبة، ولا ندري كم أن الصور المرتبة لا تحمل روائح منعشة عكس الصور التي كانوا يلتقطونها لنا عندما كنا صغارا، عندما لم نكن مبالين بالتفاصيل المجمدة؛ تلك الصور التي نبدو فيها كقطط صغيرة لا تبحث إلا عن المرح في الحركة والطعام والشراب؛ للصور القديمة روائح التوابل المعطرة، وألوان الفرح والبساطة، وقصص تشي بأكثر من تعابير الوجوه فيها، وأصوات يمكن سماعها بوضوح تخبرك عن زمن لم تعد تذكره· يعيش أغلبنا بطريقة غريبة؛ فينفق كل خلجات حياته بحثا عن نصفه الآخر، عن أحد يشاركه صومعة نسكه، ويتقاسم معه تراتيله الحزينة، ليحولها إلى جمل موسيقية مبهجة، ولا أمل في أي نغم منعش دون أن يأتي هذا الآخر؛ لماذا نسعى دائما أن نخص بعواطفنا الجميلة أشخاصا دون غيرهم؟ بينما لا يرى الآخرون سوى الجفاف؛ لماذا لا نترك قلوبنا كالمسرح لكل سكان العالم، كل له دوره، فالحياة تتسع للجميع، لا يهم من يحمل دور البطولة، في كل الأحوال سنحتاجهم جميعا لإكمال قصتنا؛ وعندما ينسدل ستار العمر سنصفق بفرح الطفولة للجميع، وقتها لن يكون البؤس نصيب من لم يجد نصفه الآخر، كما لن تلقاه الكآبة يوما ما وحيدا خلف كواليس الحياة· als.almenhaly@admedia.ae