صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

حارسات الانتظار

ناصر الظاهري
استماع

لدي عشق للأبواب، أترصدها في المدن المختلفة، ولا أخفي عشقي لأبواب مدن البحر الأبيض المتوسط، تلك الألوان الزرقاء التي تسرق من البحر لونه، وتجاور جدران بيوت طاهرة بيضاء، بوابات الهند تشعرني بالسحر وخبايا الديانات، أبواب كنائس برودة صامتة، أبواب المساجد ثمة نور مختبئ، بوابات معابد آسيا حشوها كلمات من حكمة ووصايا:
- أبواب تجدها فرحة، مستبشرة، وأبواب تجدها عابسة، مكفهرة، أبواب تضحك للقادم، وأبواب تصد الوجه الغريب، أشدها باب جار نحس!
- أبواب ملونة، وألوانها مستقرة، وتنبئ عن مظهر أرستقراطي حقيقي، أبواب تبدو عليها ظاهرة الغنى المستحدث، ولا توحي مع الوقت بدوام الحال!
- أبواب عتيقة ظلت راسخة في الذاكرة، ونتذكرها بفرح أو بحزن أو بتموجات الروح حين ينزل المطر، وينثر قطراته على الأشياء، فتأخذنا إلى الطرق القديمة لنصل لذلك الباب الخشبي المبتل، له رائحة من شعر فتاة شاغبت التعب ونزول المطر، نقف عنده ونريد أن نقرعه بأيدينا المرتجفة والمبتلة، فنجده مفتوحاً، مشرّعاً كقلب عاشق دنف، لا يغلق إلا في الهزيع الأخير من الليل حين ينام العشاق كلهم!
- أبواب حديدية تشعرك أنها غير راغبة في أحد، ولا تشفق على الفقير، وخلفها امرأة شبه مسنة، يركض وراءها العمر، لسانها كالمبرد، لا تدرك الرأفة إلا إذا ما شعرت ببرد ينفض الجثة أو أوجاع تطعن الخاصرة!
- أبواب حقيرة، وذهاب لونها حتى القشرة الحديدية الصدئة، يوحي بالدناءة، وقلة الحيلة، لا تلتفت إليها، ولا تدقها يدك المتعففة!
- أبواب رخوة، تشعرك أنها صنعت خصيصاً لفتيات قدن في الظلام ليكن مشاريع لوجبات الليل الممضوغة، ودائماً أمام ذلك الباب الرخو، يتبختر شبه شبح آدمي، بشنبه المهذب بطريقة مبالغ فيها، تزين أصابعه الخواتم المتفرقة، وسن ذهبية تلمع في الفك العلوي، يساوم الناس بعينين شبه منطفأتين!
- أبواب تشعرك أنها أبواب معابد أو أماكن تمجد الرب أو هي حارسة لدهاليز الأسرار، ومكنونات صدور العارفين أو ما حوت القراطيس من الطلاسم، تشعرك بالرهبة أو كالسير في الطرق الموغلة في الزرقة، تفزع القلب بصوتها الرعدي إن فتحت مصاريعها أو أُغلقت ظلفاتها!
- أبواب خشبية قديمة وكبيرة تسمعك إن فتحت لك ذراعيها صوت صدرها العجوز الذي هدّه الكد والعمر، وأبواب زجاجية جديدة وصغيرة ومنزلقة لا تسمعك إلا همساً أو مثل طقطقة علكة في فم صبية أو أقلها مثل صوت سحّاب فستان جديد، ما زال طريّاً على الظهر!
- أبواب شهدت شهقات ضحك كادت أن تحطم الضلوع فرحاً، أبواب غسلت عتباتها دموع العيون، ونشيج الصدور، أبواب استقبلت وليداً مقمطاً بصدر أمه لتهبه الدفء، وتخبئ عنه النور، وأبواب ودعت نعش عزيز، وأغلقت من يومها أقفالها على أحزانها.. أبواب كالناس، تشبههم، ويشبهونها، أبواب تنتظر، وأحياناً تمل الانتظار!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء