أمواج نثرية تأسرها القصيدة في قفص الكلمات. هكذا أصف كتابات أحمد راشد ثاني الذي احتفى الزملاء في «الاتحاد الثقافي» بلمسة وفاء نادرة بذكرى غيابه الأولى. كنت قد أرشفت ماكتب في زاويته الاسبوعية (قفص الأمواج) مؤملاً العودة إليها لدراسة انثيالها النثري ودقة موضوعاتها وعمقها بجانب شعرية أسلوبها ورشاقته. هربت التواريخ من الذاكرة المستباحة حتى فوجئت بأن عاماً كاملاً مر على غياب احمد خارج قفص الحياة حرا كموجة. أعادت لي واقعة ذكرى غيابه الأولى ما كنت قد كتبت عن قصيدته «في القفص» التي تلخص انشغاله الرمزي الدائم بالموج ورؤيته للخلق والصيرورة والمصير عبر صيرورته في البحر وانتحاره عند ساحله كما يقول. تتكرس أيضاً مفردة الموج في نثريات (قفص الأمواج) الذي ظل في سنواته الأخيرة ينشره في «الاتحاد الثقافي». كل خميس نغوص معه وهو يتأمل ماضيه وحاضره وثقافته وجيله وعالمه وتجربته، وأحس حشرجة لا تدل على معاناته المرض فحسب بل التحسر على أن الزمن لن يهبه الفسحة الكافية لتدوين ما في صدره. كلماته تتابع بعنف وإلحاح وتتردد بإيقاع عصي يقارب النثري من الشعري وكأنه يسابق وصول موجته إلى ساحلها قبل أن ينالها ذلك الحريق الذي تحدث عنه في واحدة من مقالاته (كتب الحريق) متابعاً وجود الكتاب النظير لوجود الإنسان قارئاً وكاتباً. فكرة جمع فيها الرؤية الفلسفية المتأملة والتقليب الظاهراتي الحر والشعري لوجود الكتب على الطاولات والرفوف والخزائن. ووجودها الرمزي منذ تعرفه عليها طفلاً ويتدرج في متابعتها بإيقاع شعري متأملاً ما منحته له: الكتب التي خبأتني عن العواصف.. وتلك الوحيدة التي رافقتنا ونحن مهاجرون خلف الأمواج والكتب المهجورة تحقيقاً لرغبات الأوصياء والسجانين. ويختم باستباق مصيري غريب متسائلا: لا أدري متى سيحدث الكتاب الأخير.. ليس في ذهني كتاب أخير. «موجع أن يأكل الحريق كتبك حتى لو لم تقرأها، حتى لو لن تقرأها. دع الكتب تعيش معك مطمئنة في البيت وأغلق النوافذ على الحرائق والبحر، دع عنك سؤال متى ستقرأ كل هذا. يكفي أن الكتب هي التي تقرؤك». تعمدت ألا أشيِّئ الواقعة وأربطها بحريق حقيقي التهمت نيرانه صفحات كثيرة من أعمال الشاعر وكتبه. ذلك لكي أعطي ما اقتبست من تأملاته بُعدها المعرفي حول كُنه الكتاب وجوهره. ولئن احترقت الكتب فثمة خالقها: الكاتب الذي لا بد لها منه. لذا يستكمل في مقالتين من (قفص الأمواج) رؤيته لخلق الكلمات التي بها يتحقق وجود الإنسان: فالكاتب «ذلك الإنسان الذي انقلب على القطيع وصاحبَ الذئب» هو الجالس الآن للبياض «مهمل من العالم، منعزل ومعزول، مفرد ومنفرد» لكنه يولّد من هذا البياض كونا يتحدى الموت والفراغ ويرسم صورة الموج الغائب. الآن: الموجة خارج قفص البحر. القصيدة في النثر خارج قفص الشعر. أحمد راشد خارج قفص الحياة. الذكرى في قفص الذاكرة. وماء الحياة في بئر الموت.