بمناسبة أيام الشارقة المسرحية، تذكرت أنني في سنوات الصبا كنت أعتقد أنني سأكون كاتبة مسرحية، فقد كانت مواضيعي التعبيرية في دفتر الإنشاء تتسم بصيغة حوارية، وتتوزع على أصوات وشخوص تتجادل حول الفكرة أو الموضوع الذي تكلفنا به مدرسة اللغة العربية. كان المسرح كثقافة قد أخذ حيزاً كبيراً وموازياً للشعر، في قراءاتي المبكرة. وفي سنوات الجامعة، كنت أفتتح كل صباح بقراءة مسرحية من المسرح العالمي. وبعد انتهاء الدوام كنت أتجول بين مكتبات الأرصفة في شارع الرشيد في بغداد، والتي كانت أسعارها تناسب ميزانيتي. كنت أبحث عن أي كتاب له علاقة بالمسرح. حتى شكّلت سلسلة المسرح العالمي في طبعاتها المختلفة، إضافة إلى المسرح العربي وكتب النقد والدراسات والأبحاث في هذا الفن المدهش، قسماً كبيرا من مكتبتي. وقد رافقني ذلك الشغف كل سنوات العمر. وثمة ذكريات تربطني بأعضاء المسرح الوطني بالشارقة، فقد كنت في منتصف السبعينات أتردد على الفرقة وأساهم بآرائي مع المخرج يوسف خليل (رحمه الله) حين كان يعمل على إخراج مسرحية بيتر فايس «كيف يتخلص المستر موكينبوت من آلامه». وكانت التدريبات تتم في قاعة أفريقيا. وما زالت القصائد التي كتبتها للمسرحية بين أوراقي القديمة. ثم شاركت في فرقة مسرحية في البحرين. كنت أشرف على الجانب التثقيفي للأعضاء. واليوم في المناسبات المسرحية فإن الذين ربطتني بهم مودة واحترام عميقين، هم أولئك الشباب الذين كانوا هواة في تلك السنوات، حين كانوا يتلمسون دروبهم نحو هذا الفن. أما المسرحية الشعرية الوحيدة، التي كتبتها في عمر مبكر، فكانت تحت عنوان «فوق رصيف الرفض» (1969)، والتي أخرجها عوني كرومي في بغداد، وشارك فيها شباب من مسرح الشارقة والأقطار العربية، وتقدم بها طالب من حلب كرسالة للماجستير، وحصل على الامتياز، وترجمت إلى الألمانية ضمن كتاب «انطلوجيا المسرح العربي» للدكتور عادل قرغولي. وكم وعدت نفسي أن أواصل الكتابة للمسرح، لكني لم أف بوعدي، فالحياة تلقي بنا في طرقات الواقع الذي ينحر أحلامنا على مذابح الضرورة والعيش. لم يبق من حلم التأليف المسرح الشعري بعد، سوى الأمل في من ينهضون لتجسيده. وإذا كان التأليف المسرحي يتطلب موهبة وثقافة عميقة، فإن المسرح الشعري يتطلب رؤية مسرحية وحساً بشعرية اللغة وقدرتها على الإيجاز وتعدد الدلالات والتضمين!