صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

مكانه يساراً·· مكانته جهة القلب

من الشخصيات التي يفخر الإنسان أنه عرفها يوماً في الحياة، شخصية محمود أمين العالم، كان أول لقاء معه أثناء انعقاد اجتماعات كتّاب آسيا وأفريقيا، قبل أكثر من 20 سنة، كان إن قام أو جلس يضفي عليه جلباب الاحترام والوقار وسكينة العارف، يكفي أنه يشعرك أنه نظيف حد الطُّهر، ومستقيم، ومنتمٍ حد الإخلاص، لم تغيره الرياح، ولم يلتفت إلى التقلبات، ولم تخضه الأحداث، فالمبادئ لا تموت، والقيم السامية والإنسانية لا يمكن أن تلوثها السياسة، أو يلطخها زعيم عابر على هامش التاريخ· قبل أيام فقد الوطن العربي هذا الشخص النزيه والصافي كشربة ماء، والكاتب المجالد المصري الفصيح والصريح محمود أمين العالم عن عمر يناهز الـ87 عاماً، قضى منها 65 عاماً في معارك فكرية وسياسية وثقافية واجتماعية، وفي أعمال تتعلق بالوطن الحالم الجميل، وبالفكر الإنساني السامي، وبقضايا الإنسان المعاصر كيف يرقى، ويتسامى، ويصبح حراً، وفاعلاً في حياة الناس وفي الأوطان· ولد كاتبنا الجليل في القاهرة يوم 18 فبراير عام 1922 وتخرج من قسم الفلسفة في كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول ''جامعة القاهرة'' عام 1945 وحصل على الماجستير عام 1953 عن بحث عنوانه ''فلسفة المصادفة الموضوعية في الفيزياء الحديثة ودلالتها الفلسفية'' ونال به جائزة الشيخ مصطفى عبدالرازق، وأعد أطروحته للدكتوراه ببحث عن ''الضرورة في العلوم الإنسانية'' لكنه حرم من نيل الدكتوراه بسبب نشاطه السياسي وفصل من الجامعة عام 1954 مع عدد من الأساتذة، عمل بمجلة روز اليوسف ومؤسسة دار التحرير التي أنشأتها ثورة يوليو ،1952 لكنه فصل من العمل بسبب موقفه من الوحدة مع سوريا عام 1958 لأنه رأى أنها لا تراعي الموضوعية للمجتمع السوري، ثم اعتقل مع الشيوعيين زمن جمال عبدالناصر عام 1959 ثم أفرج عنه عام ،1964 ليعمل بعدها في مجلة ''المصور'' الأسبوعية، ثم أصبح رئيساً لمجلس إدارة الهيئة المصرية العامة للكتاب، ثم رئيساً لمجلس إدارة مؤسسة المسرح والموسيقى والفنون الشعبية، ثم رئيساً لمجلس ادارة مؤسسة أخبار اليوم الصحفية· اعتقله السادات ضمن من وصفهم بمراكز القوى، بتهمة الخيانة العظمى، لكنه أفرج عنه، وغادر إلى بريطانيا ليدّرس في إحدى جامعاتها، لكن المفكر الفرنسي جاك بيرك أقنعه بالتدريس في جامعة باريس التي بقي فيها 10 سنوات مدرساً لمادة الفكر العربي وأصدر خلالها مجلة شهرية اسمها ''اليسار العربي'' هدفها الدفاع عن قضايا الوحدة العربية والمشروع الديمقراطي العربي والتحرر السياسي والاقتصادي، وعدم التبعية· اصطدم مع السادات ومشروعه التصالحي مع إسرائيل، وحوكم بقانون ''العيب'' الذي أصدره السادات بحرمانه من كافة حقوقه المدنية، ومنع من دخول مصر· عاد إلى مصر بعد وفاة السادات، وأصدر سلسلة كتاب ''قضايا فكرية'' نال جائزة الدولة التقديرية عام ،1998 له أزيد من 20 كتاباً منها: ''ألوان من القصة المصرية'' و''الثقافة والثورة'' و''تأملات في عالم نجيب محفوظ'' و''فلسفة المصادفة'' و''هربرت ماركيوز أو فلسفة الطريق المسدود'' و''الوجه والقناع في المسرح العربي المعاصر'' و''البحث عن أوروبا''و''ثلاثية الرفض والهزيمة''و''الوعي والوعي الزائف في الفكر العربي المعاصر'' و''الماركسيون العرب والوحدة العربية'' و''الفكر العربي بين الخصوصية والكونية''و''مواقف نقدية من التراث'' وغيرها من الكتب النقدية والفكرية· برحيل محمود أمين العالم·· تفقد مصر، والعالم العربي واحداً من آخر الرجال المحترمين، الواقفين الذي قال للحياة: كنت هنا·· ولم أتلوث!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء