تهمهم وحدك: ''هاهم أحفاد بروتوس يعلنونها مع انغماس الخنجر الثلم·· لا لا ·· لا تلتفت، لكي لا ترى وجوهاً قبلتها، أو عيوناً رأت ستر بيتك، دعهم وهذا الظهر الذي حملهم، ينقشون عليه من دم الغدر أسماءهم، هم أحفاد بروتوس لم تكن تصدق سهولة الطعن في الظهر، كنت تدعي أنه بوابة الأصدقاء، حامل نعوشهم، دعهم الآن يدقّون فيه مساميرهم، وليبتسم الواشي بأسنانه الصفر، ذلك المختبئ في الركن المعتم، وليفرح بقطع الفضة، ثمن لسان الواشي ثلاثون قطعة من الفضة في اليد، ولعنة واحدة تَسِم الوجه''· الغواية كانت خنجرهم! من يخرجك من همك المتوحد بك حد العمى، الغرفة الخضراء بلون عرق النحاس·· الزهو الفندقي المتلألئ بنجومه الخمس، الامتلاك الثاني لرقم من ستة أصفار، وتلك التي جاءت من عنّابة، حناء ورطابة، الانقلاب الذي قاده حرس النجاح في غفلة من حرّاس النجاح، الفجيعة في الذات، الذات في الفجيعة، من يخرجك منها، أو يأتيك برأسها· عازفة البيانو الإنجليزية ذات الأصابع المتخشبة؟! والتي يبدو وكأنها تعاني من أمراض نسائية مزمنة، تحاول أن تكسر ليل الضجرين، وترقى هي إلى أبهة المكان، تتمنى لو يطوي شهر أغسطس الناري أيامه، لتستلم ثمن غواية الصيف هنا، تفر من الوجوه المُدخنة التي تبتغيها في لحظة وجعها، تفرش لها سجاجيد مشاريعها الوهمية وبطولاتها الخمرية، قصص كل ليلة· أم صديقك عاشق مدينته القديمة حد الخرف؟! من يُسَرّي همك·· يقتلعك من الزاوية المفضلة، الطاولة المفضلة، والوحدة المفضلة، صديقك المنكوب، ضرة النساء اللاتي تعرفهن، ذلك الذي يبحث عن منزل في مدينته التي كانت يوماً له وحده، ولطفولته السمحة، كان يركض فيها حتى تتشقق قدماه، كان يستطيع عد بيوتاتها، الآن·· يهرب من فاجعة تناثر ريش الهنود الحمر إلى صدور النساء المتخيلة، وطقوس الغفو الغرائبية، يأتي في الغداة ورأسه مثقـل بالقهوة والحكايا، والحنين لتلك الدور في المدينة التي كانت يوماً له وحده، والتي ما زالت أماكنها في الرأس، وحين يمر على أرض البيت القديم، ويرى برجاً زجاجياً يحتلها، يَشرق بحزّة تجرح العنق، يتمنى أن لا يفارق مدينته مثلما فارقته هي، تاركة إياه يجتر عذابات الغربة والتغرب، وحين ينفعل ترتجف أطرافه ويسب الحياة وأختها - حيث إنه بلا أخت - يضرب بيده على الطاولة، وينشد بيتاً من الشعر النبطي، ويختفي أحياناً من غير أن يكمله، يغيب في ليل المدينة وهمس المكالمات النسائية، تاركاً لكلمته الودائعية المعتادة رنيناً: شوف·· أنت ما تعرف الناس·· اسألني أنا· يتركك وحدك مع منفضة أعقاب سيجارته الممتلئة، وآخر عزف الإنجليزية المدرسي، وفراغ الصدر، وذلك الشقاء الذي تفعله المدينة في الرجال، وفي حراسها تظل تقلب وجوها من طرقوا بابك·· من جاء راجلاً، داخلاً بالبسملة والرجل اليمين، ومن جاء على ظهر صديق، تعرف الناس -لا كما يقول صديقك - في كلمته الودائعية المعتادة، غير أنه الخجل الذي يطوق العنق، والمعروف الذي يعمي البصر هما وحدهما يجعلانك بخفة الإنسان الطائر، ولو تنكر لك الأصدقاء -وهم كثر- لكنهم يخلعون ملابسهم وحدهم وفي العراء، لا يضرك من أقبل منهم ومن أدبر، عوراتهم لوجه الواشي وحده، ولقطعه الفضية، وسلحهم سلاحهم حين تتغير سحنة الوجوه، وحين يدبرون مخلفين وراءهم رائحة كرائحة الخيل في الطرق الضيقة الممطرة آخر الليل·