صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

العمود الثامن

انتصار للعلم الوطني
من هو المنتصر في لبنان؟ بالتأكيد الحرية والإنسان والاستقلال والعلم الذي تنتصفه شجرة الأرز بظلالها على الجميع، هذه هي القراءة الأولى في المشهد اللبناني، فلأول مرة يحضر لبنان بهذا الجمع المحتشد دون أن ترى أعلاماً صفراء أو خضراء، بشعار حزب الله والرشاش المرفوع عالياً أو شعار أمل بخط كوفي معكوف، أو مطرقة ومنجل شعار الحزب التقدمي الاشتراكي أو علم الكتائب أو غيرها، في المشهد اللبناني الأخير كان هناك علم واحد يرفرف فوق رؤوس المتظاهرين من أجل لبنانهم الذي يحبونه حراً ومستقلاً ودون وصاية·
فاللبناني أذكى اجتماعياً من الغير، وأكثر تعلماً وثقافة وانفتاحاً على الآخر، وأكثر تواصلاً مع شعوب العالم، نتيجة الهجرة وشبكات اللغات التي يتقنها وروح المغامرة التي تسكنه، كما أن له تجربته في الحياة ومسيرة الحضارة، فالإنسان في لبنان يتكئ على إرث تاريخي ونضال سياسي، والمجتمع اللبناني يتكئ على فسيفساء اجتماعية تضم طوائف عدة، تتسع لهم تلك الرقعة الجغرافية المتميزة باتصال البحر بالجبل، وإن كان الإنسان اللبناني قادراً على النجاح خارج مياهه الإقليمية، فهو بالتأكيد قادر أن يبني وطناً جميلاً، ويؤسس لتقاليد إنسانية راقية، فقط ليتركه الجميع من أصدقاء وأعداء يرعى تلك الزهور، ويجعلها تتفتح في جوها الطبيعي، بعد أن أزيلت روادم ومخلفات الحرب التي طعم مرارتها كل واحد في لبنان·
الوصاية التي نعنيها ليست وصاية سوريا بجيشها واستخباراتها وتدخلها السياسي في القرار اللبناني وحسب، ولكن وصاية أيضاً المليشيات والزعامات السياسية والدينية بمختلف طوائفها، وصاية المنتفعين عبر شبكات اتصالاتهم الخارجية عربياً ودولياً، فيوماً كان كل تلك القوى وممثلوها يلعبون في تلك المساحة الضيقة من لبنان، ويلعبون على التناقضات ويغذونها بالمال والسلاح وتجارة التهريب والحشيش، ويفتحون ثغرات لتمر الدبابات الإسرائيلية، ويمر جهاز استخباراتها، ليشعل النيران هنا وهناك، فالوطن إن استباحت حريته، ضعفت دولته وهزل قانونه و استزلم رجاله، ونخر الفساد عظامه، وسهل على الجميع اختراقه·
لبنان اليوم·· بعد مسيرة إعادة الحياة والبناء وإصلاح تخريبات الحرب، هو بأمس الحاجة إلى إعادة الحرية لحياته كيفما هو يحبها، وإعادة النظر بمسيرته الديموقراطية التي كان ينعم بها، فالتاريخ يصنعه أبناء الوطن، ولا تكتبه دواليب الآليات العسكرية أو التدخلات الخارجية مهما كان نوعها·
لبنان اليوم·· قادر أن يكتب يومه ومستقبله، قادر أن يحيا بكل مكتسباته الحضارية وإمكانياته المتعددة، رغم أنه دولة غير نفطية أو ذات مصادر طبيعية أو مداخيل تعتمد على الصناعات الثقيلة، هو بلد يملك عقولاً مبدعة ومبتكرة، وأيادي لا تكل من العمل، وإرادة عرفت التحدي وعرفت النجاح، وهذا كفيل بأن يجعل من لبنان مكاناً يزخر بالحياة والعطاء والتفوق، فقط ليدعو العلم اللبناني وحده يرفرف فوق الجميع·· ويظلل كل الرؤوس اللبنانية التي تعشق الحرية والحياة·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء