صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

الإنسان بين الأمومة والتبني

هناك الآن أنت أيها اللاجئ إلى مدن الحضارة الأوروبية بتاريخها العريق، كما يقول أولئك الذين غادروا أوطاناً لم تستوطنهم، لم يجدوا فيها غير الغربة بأوصافها ومسمياتها، بقسوتها ونفيهم فيها!. أوطان لم تمنحهم أفقاً حراً ليحلموا، ليتوقوا، ليطمحوا، ليتجددوا، ليطوروا ذواتهم ووطنهم. فحلقوا بأجنحة الحلم إلى أوطان قد تحتضنهم كما تحتضن الأم نسل أمٍ غيرها. الوطن الأم أصبح صفة مجازية لا تتماها مع الوطن الذي ولدنا فيه وربما ولدت فيه أمهاتنا وآباؤنا وربما جدودنا. لا تنطبق صيغة أو دلالة على الوطن الذي كان فيه مسقط رأسنا كما تصف البلاغة من ولد في جغرافية ما. أبداً لا تنطبق ولا تتماهى مع حنان الأم وعطائها المطلق. فالأمومة لا تحدها حدود جغرافية، ولا سياسية، ولا حضارية، ولا تفنيد ثقافي أو وثيقة تدل على هوية عرق أو بلد أو قومية أو دين. لذا ما زلت أتساءل عن جذر هذا التشبيه وأسبابه. الأم لا تنفي ولا تضطهد ولا تجوّع ولا تفقر ولا تشرد. فلماذا يوصف الوطن الذي ولدنا فيه بأنه (الوطن الأم)؟ ألأن الأم جذر كل مبتدأ وبذرة كل تكوين؟ في شوارع أية مدينة غربية لجأتَ إليها، في أسواقها، ومؤسساتها ومقاهيها، و«مترواتها»، هناك آلاف وآلاف من جنسيات العالم وجغرافياتها وأوطانها وقومياتها وأعراقها، وحضاراتها ولغاتها.. كل هذه الآلاف عليها أن تتحدث لغة البلد التي لجأت إليه ضرورة وقسراً، فلا يمكنك كلاجئ، أو مهاجر أن تتكلم لغتك (الأم) فلا أحد سيفهمك، وربما سيسخر منك أو يتجاهلك أو يصمك بالجهل والتخلف، فلغة البلد التي لجأت إليه ستكون سيدة التعبير اليومي لتعلن حضورك، وتؤكد وجودك الحي على هذه الجغرافيا. لغتك الأم لا توصل بينك وبين الآخرين في هذا الجغرافيا. لغتك الأم لغة ثانوية منقرضة متخلفة قياساً إلى حضارة البلد الذي لجأت إليه!!. وحين تتقن لغة هذا البلد، فإنك قد انفصلت وارتقيت على لغتك (الأم)، تماماً كما تكون حين أنت هناك، قد ارتقيت على وطنك الأم! إذا لم تكن زائراً عابراً لسبب ما، ولجأت كي أو تستبدل وطنك بوطن الآخرين، فإن وطنك الذي غادرته قد يكون له دلالات كثيرة: تخلف تكنولوجي، علمي ثقافي، إنساني، سياسي، اقتصادي..إلخ. ويعني أنك فيه لم تكن حراً في سلوكك، في معتقدك، في التعبير عن رأيك، في اختيار الطريق وفق طموحك، فلم ترتق ولم تتطور. هكذا إذن ستسير في شوارع الغربة كأنك يتيم تبنته أم بديلة، ستحتضنك وتمنحك ما حرمتك منه الأم الأولى!!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء