الامتحانات على الأبواب، والخوف بدأ يغزو الأفئدة·· الآباء متوجسون، والأمهات خافقات القلوب، مرتعدات الفرائص·· والطلاب، هم المعنيون في البداية وفي النهاية، هؤلاء مرعوبون، مرتعشون، منتفضون، ترى الإصفرار يكسو وجوههم، واحمرار العين شق طريقاً وعراً في المقلتين، وفقدان الشهية، حليب جاف، استولى على الجسد والرأس والنفس، بعضهم يشعر وكأنه سيدخل معركة طاحنة مع المصير والمستقبل، والأيام المقبلة، ولا يدري ماذا تخبئ له الوريقات البيضاء من أسئلة، وهو لا يزال يحتفظ في الذاكرة ''مآثر ومناقب'' السنوات الماضية، فقد قرأ هؤلاء الطلبة وسمعوا عن الأسئلة الغامضة، والمبهمة والمعتمة التي لا يستطيع أن يفك شفراتها حتى ولو بعُث سقراط من قبره فسوف يصرخ بأعلى الصوت، ويقول هاتوا السم من جديد لأقذفه في الجوف العميق وأرحل، والطلاب اليوم يتذكرون مآسي ما مر على زملائهم وأقرانهم، أكثر ما يتذكرون من دروسهم التي يحاولون اجترار فحواها وتكرار محتواها، لعل وعسى يخرجون بشيء يحفظ ماء الوجه، ويسمح لهم بالالتحاق في أي جامعة، أي كلية، أياً كانت، المهم يريدون أن يصبحوا طلبة جامعيين ويتخلصوا من قلق أولياء الأمور الذين ما فتئوا يحثونهم ويشجعونهم ويدفعونهم دفعاً لتجاوز هذه الشعلة النارية التي اسمها المرحلة الثانوية، نجد حالة الطوارئ والاستنفار العام في البيوت والتوتر والاضطراب والاحتراب، والصخب، والحدب والندب، كل ذلك من أجل الخروج من هذه المعركة الفاصلة بنتيجة اسمها النسبة المئوية والتي بدون أرقامها الصعبة لا يستطيع الطالب أن يصل الى ما يهواه ويرضاه، ويرتجيه منه والداه· هذه الموجة العارمة والصارمة لا نسمع عنها إلا في عالمنا العربي العجيب، وكما هو غذاء دسم، ووليمة كريمة للصحف، وأجهزة الإعلام الأخرى، حيث تمارس حقها في التهويل والتأويل، ونفخ الأبواق، وإدارة طواحين الهواء في العراء والخواء، واعتبار يوم الامتحان هو يوم الامتهان، ويوم الحساب والعقاب، واصطخاب النفوس وخراب العقول· نجد هذه الفورة العربية من الأقصى وإلى الأدنى، والناس يحدبون في فضاء القلق ويتوارثون الأرض ويتبادلون الصور، بالأرواح حتى الشفق، نجد هذا في واقعنا، لأننا تعودنا تحريك القضايا نحو الأزمة وإغلاق الأبواب على الإبداع كي لا يتنفس إلا الهواء الملوث ورطوبة النوايا الخانقة، تعودنا ألا نتعامل مع العقل، ألا ندعه يعمل ويفعل، ويفصل خيوط المعرفة من حرير نتاجه، بل ينبغي أن يظل هذا العقل محبوساً، غاصاً في أوحال الوصايا والتوصية، تعودنا أن نهزم أنفسنا بأصفاد وسلاسل وسرابيل من محن، ونحن الذين نصنعها بقوة خيالنا الجامح، نحو كسر العظم وقصم الظهر وكبت النفس، وسحق الروح، ومحق القلب تحت رحى العصى الغليظة الفظة الجامدة والعنيفة، تعودنا ألا ندع المياه تسير في مجاريها الطبيعية، وألا ندع لخيوط الشمس أن تخترق الغيمة لتلج خيمة العقل بأريحية وعفوية، بلا تصنع وزيف وتسويف وتخويف، وتجريف تبعاً للمعاني الرفيعة للعلم والمعرفة· تعودنا على خوض معاركنا بالتصريحات الرنانة والإعلانات المتفننة في صياغة الرعب وتصديرالشقاء للناس أجمعين، وتعودنا ونحن أسياد صناعة الخيال المتضخم والمتورم بقيح الخرافات والأساطير المدبلجة، والمجلجلة، ونحجل في أتربة الخواء بلا هواء يريح النفس·· تعودنا ممارسة تعذيب أنفسنا بأنفسنا، ورفع السياط القاسية على جلودنا وتكحيل عين المستقبل في تحدٍ عفى عليه الزمن، وبات من إرث الماضي، وماضينا ليس تليداً كما تصورنا ونسجنا حوله، القصص والحكايات، ماضينا حلقة متصلة لا منفصلة من تفريغ الأشياء من معانيها ومضامينها·