قد تلتقي في الحياة بأناس كثر، ويسمح لك الوقت والعمر أن ترافقهم، لكن قلما تلتقي بشخص يظل يمنحك، ولا يفكر أن يأخذ منك، «نعيم جبارة» واحد من هؤلاء الناس، كان كريماً، ولا يلتفت، كان يحب العمل، ولا يريد أن يتوقف، وكان مخلصاً لأصدقائه، وكان يتذكرهم، الصحافة كان لها الفضل أن أتعرف على شخص بمثل نبله، والأسفار منحتني شرف التقرب منه، كان أول لقاء، حينما كانت مجلته البكر«حياة الناس» في ظهورها الأول، حيث انفردت بالصفحة الأخيرة فيها قرابة عامين، حتى سافرت إلى فرنسا، غير العلاقة بـ«نعيم جبارة» صعب عليك أن تتخلص منها بسهولة، فقد كان سبّاقاً للآخر في كل شيء، منها السؤال، والعتب، و«تربيحك جميلة» حينما كان يمزح، ضاحكاً في نهاية المكالمة، كان بدايته في الكويت حينما كان لاعب كرة يد، ومنها دخل الصحافة الرياضية، بعدها جاء للإمارات، وعمل فترة في جريدة البيان، ثم ترك الصحافة المكتوبة، وخط له طريقاً في عالم الإعلانات، وعمل معي في جريدة الاتحاد، ثم ترك الوظيفة ليؤسس له مجلاته وإصداراته الخاصة المميزة، فقد جذبه عالم الإعلانات، وسرعان ما واتته مفاتيحه، وذهب بعيداً في تلك المهنة، فكان ناجحاً بكل المقاييس، معتمداً على نفسه الصبورة، وجلده اليومي، وتلك المثابرة الدؤوبة التي لا يمكن أن تنتج إلا خيراً وتميزاً، ترافقت معه في السفر، كان يزورني في باريس، وأزوره في دبي، لكن للشام التي نعرف طعماً آخر، أما لبنان، فقد اجتمعنا على حبه منفرداً، لأنه كان الوحيد الذي يعطي للمتع أقصى اشتهائها، ويعطي للصباحات تلك المحبة التي كنا ننشدها، أما المساءات فيه، فلها سلطنتها وسلطانها، كان يأتيني لأبوظبي واقفاً، والحجة العمل، لكنني إن جئت دبي، فيحلف بالطلاق من «نهلة السمّان» أن لا أذهب دون وليمة، هكذا كان هو، وأكثر، كان بيته دائماً معشوشباً بالأصدقاء، وكان أخضر. وفي ليلة كان القمر غائباً، اشتكى من وجع ألمّ به، فاعتقدنا أنه العمل وضغوطاته، واعتقدنا أنه التوتر، واعتقدنا أنه سيمر مثلما مرت عليه أمور عظام وتخطاها، لكن كان ذاك المرض المندس، والقاسي كالموت، حينها بدأ في رحلات العلاج في عواصم مختلفة، وهو الذي كان يكره رائحة المستشفيات، ويكره الإعاقة عن العمل، كنت أراه في بداية رحلة الآلام، وحينما تشافى في بيروت، كان هو «نعيم» غير أن عوده دقّ، وفقد بعض وزنه، لكن مع الانتكاسة، لم أقدر على رؤيته، لكي لا تضيع تلك الصورة الجميلة له، ولكي لا يتذكر الرأس غيرها، ولا أريد غيرها، بالأمس ودعنا، تاركاً ذاك الفراغ البعيد، الذي يتركه رجل نبيل وشريف مثله. لـ«أم خالد وخالد وريما» كل العزاء، واستميح القراء في غياب لثلاثة أيام، كتقليد قديم للعمود الثامن، أن يغيب عزاء للأعزاء. amood8@yahoo.com