نبهتني صديقة لأمر مهم نغفله أحياناً أو لا نلقي له بالاً، مع أنه يفسر الكثير مما لا ندرك سببه في علاقاتنا الإنسانية، فنحن لا نعرف لماذا في مرحلة ما من مراحل العمر يصير صعباً علينا تكوين علاقات صداقة جديدة، ولا نعرف السر وراء توهج علاقاتنا التي تكونت في طفولتنا أو أثناء مراحل الدراسة رغم تباعدنا وتقطع لقاءاتنا، إلا أنه وبمجرد اللقاء تحضر كل الذكريات والأيام والوجوه وتتحول الجلسات إلى احتفاء صاخب بتلك الأيام وبتلك التفاصيل، لا ننتبه إلى أن أصدقاء الأمس يسكنوننا بشكل حميم وعصي على المحو والنسيان كما هو عصي على المساس، نحن لا نناقش تلك العلاقات ولا نفكر في إلقائها خارج حياتنا على اعتبارها “أشياء منتهية الصلاحية” برغم أنه قد تمر سنوات لا نلتقي ببعض أولئك الأصدقاء، لكن لدينا تصوراً دائماً أن هناك موعداً مؤجلاً بيننا سيحين ذات يوم رغم مرور الأيام، يا ترى ما هو السر وراء ذلك؟ نبهتني تلك الصديقة إلى ما أسميه “الذاكرة التاريخية المشتركة” وهي ذاكرة في غاية الضرورة، إنها العمود الفقري إذا أردنا لأي علاقة أن تستمر، وهي ذاكرة لا تبنى في أي تاريخ أو في أي عمر ، لأنها مثل البذرة تحتاج موسم بذور محدداً وزمناً لا بأس به كي تنضج داخل نفوسنا وعقولنا وقلوبنا، نحن اليوم نحب أصدقاء الأمس بقلوبنا وعقولنا وذاكرتنا، ولذا فليس من السهل أن نتخلى عنهم أو نفقد إحساسنا بهم، أو ندعي بأننا لا نفهمهم جيداً، إن الذين يبنون صداقاتهم على أساس من الذاكرة المشتركة يضعون حجر الأساس لعلاقات ستستمر معهم طيلة حياتهم! الذاكرة التاريخية المشتركة ذات ملامح وتفاصيل وعلامات فارقة، فما لم تعش أجزاء من طفولتك مع هؤلاء الأصدقاء، وما لم تشاركهم المدرسة ذاتها وفصول الدراسة نفسها، وما لم تعيشوا في الأحياء نفسها وما لم تقرؤوا القصص والمجلات نفسها وتتعلموا على يد المعلمة نفسها، ما لم تتقاسموا الضحكات والمشاوير وتشتروا من الدكان نفسه الحلويات نفسها وزجاجات المشروبات الغازية، وتأكلوا ساندويتشات الفلافل والفول من المقصف نفسه في المدارس نفسها، ما لم تسخروا من تلك المعلمة إياها وما لم تشاكسوا المديرة الفلانية وما لم تتعرضوا لاضطهاد معلمة الرسم والموسيقى وعنجهية معلمة اللغة العربية، وما لم تزخر تلافيف أدمغتكم بكل كلمات التشجيع والتحفيز وحتى التوبيخات المدرسية إياها، ما لم تنجحوا معاً وتنتقلوا من فصل إلى أعلى معاً وما لم ... وما لم ... فإنكم لن تحظوا بتلك الذاكرة التاريخية المشتركة، فإذا حظيتم بها فقد تحصلتم على نعمة كبرى! مشوار الحياة ليس سهلاً، وليس مثل شهر العسل، وهو كأي طريق لا يمكننا أن نصل إلى غايته لوحدنا أو بمفردنا، هناك دائماً أشخاص جعلوا طرقاتنا أقل وعورة وأقدر على الاحتمال، هناك أشخاص حفظوا لنا ما تساقط من ذكرياتنا وذاكرتنا، ولذا فإن من جملة فوائد هؤلاء الأصدقاء، أنهم يكملون تلك الفراغات التي تكونت بحكم النسيان والانشغال و... الزمن، فنفاجأ بتلك الحكايات التي يكملونها لنا أو يحتفظون لنا بها بعد أن تكون قد سقطت منا سهواً! أكتشف دائماً في حضرة صاحبات الذاكرة التاريخية المشتركة من صديقاتي، أن عبارتي تضيق في وجودهن، لأن الرؤية تتسع معهن وبهن وفي وجودهن، فكم يمنحنني من أفكار وكم يفتحن أمامي من أبواب .. تلك واحدة من تجليات الذاكرة المشتركة أيضاً! عائشة سلطان | ayya-222@hotmail.com