صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

874 مجهول النسب

رقم مخيف، وعدد يرفع الإشارة الحمراء ويطفئ الخضراء والصفراء.. 874 مجهول النسب في الدولة يضع المجتمع والمسؤولين أمام مسؤوليات جسام وأمام إشارات ضوئية لا حد لها ولا عدداً، فكم من الحالات تم العثور عليها في شوارعنا وأفنية مساجدنا وفي الحدائق العامة.. أطفال لا تتجاوز أعمارهم الأسابيع يُلقون أمام براميل القمامة كالنفايات والفضلات. والسؤال هو: أين يكمن الخلل؟ عندما تطرأ ظاهرة سلبية كانت أم إيجابية فلا بد من الأسباب التي أحدثت هذه الظاهرة، وفي تصوري أن ظاهرة مجهولي النسب لم تأت من فراغ، بل لأن العلاقات الاجتماعية والإنسانية بشكل عام وأهمها زلزال أخلاقي ديني، أفرزت العلاقات بين الأفراد حزمة من الانهيارات الأخلاقية، الأمر الذي جعل من هذه العلاقات سهماً قاتلاً يوجه إلى صدر المجتمع.. وهناك مساهمات مباشرة من قبل المجتمع الذي زج نفسه في خضم حشود من البشر، الذين جاؤوا من أصقاع الدنيا وغالبيتهم من العزاب، سواء كانوا نساءً أو ذكوراً، والطبيعي أن تنحرف العلاقات إلى أسوأ الأحوال، ومن الطبيعي جداً أن يتحول المجتمع إلى مأوى لنزيف أخلاقي سببه هذا الهجوم المباغت بجحافل من البشر لم يجدوا ما ينتجونه غير التهور والتضور، والخروج عن وشم القيم الإنسانية السائدة.. لا أحد يستطيع أن يبرر مثل هذه الأفعال الشنيعة التي يذهب ضحيتها أطفال يفتحون أعينهم على اللاشيء، فلا أباً يأويهم، ولا أماً تحتويهم، ولكن أيضاً لا نستطيع أن نغرم المجرم دون محاسبة من يفتح الباب لارتكاب الجريمة.

اليوم أصبحت مساكن العزاب في قلب القرى والمدن التي تأوي أسر وعائلات، وكذلك نجد أيضاً الوحوش الضارية تتلصص ليل نهار بحثاً عن صيد ثمين لاقتناص الرغبة ثم الهرب إلى غير رجعة من كل هذه المساحات الواسعة من الإهمال والاستسهال تضع الطرق سهلة ويسيرة أمام كل من يريد أن يفرغ رغباته الشيطانية في الطريق ثم يفر مختبئاً تحت جلد عدميته وموته الأخلاقي.

المخيف في الأمر أن مثل هذه الظاهرة بدأت في التفاقم والتعاظم، والحلول لمواجهتها لم تتعد أكثر من التقاط الضحايا وإيوائهم في بيوت الأحلام الميتة. لا حل غير ذلك، وهذا ما يستدعي القلق ويرفع من حدة الاحتباس الحراري في الذهن، لأن الطفولة في خطر، وعندما تتعرض الطفولة لأي خطر فإن مستقبل المجتمع ينذر بأهوال وسوء الأحوال.

الآن القضية ليست بيد حكومة أو مؤسسة، وإنما هي مسؤولية يجب أن يتحملها كل إنسان يسير على هذه الأرض، لأن الجميع شركاء، ومن يجلب عاملاً أعزب أو عاملة، فإنه يشارك بطريقة أو بأي وسيلة في زيادة عدد الضحايا، الأمر الذي يتطلب منا ليس المنع وهذا مستحيل، بل حسن الاختيار ثم الحرص في التعامل ثم المتابعة والاهتمام، فقد نستطيع أن نحد من هذا الطوفان.



marafea@emi.ae

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء