تهب نوبل لأدبائها قوة مضافة، ليست هي التعزيز الذي يشعر به الفائزون في الأولمبيادات وهم يتلقون باقات الورد والميداليات والتدوين في السجلات التاريخية للّعبة، فللوصول إلى خط النهاية النوبلية يجتاز المتبارون ماراثوناً من نوع آخر حتما، يكافأ فيه الفائزون في سباق غير منظور عن جهد غير منظور لحظة المكافأة، ومن ثم يستعيده معهم القراء ويعدّونه في معنى ما فوزا لهم وتصويتا لذائقتهم وامتيازا لتلقيهم، وربما خذلانا في بعض الحالات· الكاتب والمترجم المصري حسين عيد اختار أن يحرر كتابا يضم حوارات مترجمة مع كتاّب نوبل (القاهرة 2006) وصفها بأنها نادرة وحرص أن تضم أرشيفا متعدد السنوات يبدأ بوليم فولكنر (نوبل 1949) ويمر بهمنغواي (1954) ويصل إلى ماركيز (1982) وسونيكا (1986) وجونتر جراس (1999) وانتهاء بهارولد بنتر (2005) وأورهان باموق (2006) ويتوسط هؤلاء كتّاب وكاتبات مثل: توني موريسن وديريك والكوت وجاو زينجيان والفريدا يلنك وساراماجو·· تعكس الحوارات أمزجة النوبليين، فوليم فولكنر لا يحب الحوارات لاسيما إذا تناولت أمورا شخصية فالفوز لا يعطي الناس حق تقليب صحائف السيرة الذاتية للكاتب خارج كتاباته، وكذلك يعترف باموق أن الحوارات تجعله عصبيا لأن بعض إجاباته تبدو حمقاء كما يقول، مشيرا إلى اجتزاء القوميين الأتراك لبعض تلفّظاته وتفسيرها بما لا يقصده·· آخرون تكلموا عن تأثراتهم الأولى وبالغوا لحد أن صحبة فولكنر لشروود آندرسون جعلته يحاول تقليده بالعمل كاتبا! بينما كان كتاب واحد هو مسخ كافكا حافزا لماركيز ليقرر أن يغدو كاتبا، وكذا كان الصخب والعنف لفولكنر بالنسبة لباموق، وكتابات سارتر وميرلو بونتي للياباني كينزا بورو أوي، أما النشأة فقاسمها المشترك هو المجيء من حقول مجاورة للرواية (من الملاحظ أن كل الحوارات المترجمة كانت مع روائيين) فهم شعراء أولا وموسيقيون ورسامون بمستقبل مضمون، الصيني جاو وباموق مثلا، لكن الكتابة كانت شفاء كما يقول ماركيز مهوّلا: لقد شفيت من بثور في وجهي عندما منحتها كمرض للكولونيل بويينديا، بطل روايته ''مائة عام من العزلة''· وهناك السياسة التي أولع بها جونتر جراس وسونيكا واستغلا الفوز بنوبل للترويج لأفكارهما·· يعكس النوبليون للقارئ تلك الهيمنة الصارمة للتنظيم في حياتهم: العمل لساعات كل يوم وفي أوقات محددة: الصباح الباكر بالنسبة لهمنغواي حيث ليس هناك من يزعجك والجو هادىء! أما القراءة فهي مرافقة للعمل بل هي عقدة توقف بعضهم سنوات ليكتبوا شيئا يتفوق على ما قرأوه· للكتّاب أسلاف دوما: الكاريبي بخرافاته ووجوده الطبيعي الساحر بالنسبة لديريك والكوت، والأفريقي القبلي لسونيٍكا والأسلاف السود لتوني موريسن كما أن البيئة هي الحاضنة الملهمة، كما حصل عربيا لنجيب مخفوظ وثلاثيته، لكن البيئة المستعادة في الأعمال قد تسبب مأزقا مع المجتمع كما في حالة باموق الذي نقمت أسرته على كتابه ''أسطنبول: ذكريات ومدينة'' لأنه صورها بعيني الطفل وصدقه···