صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

ثقيلة هي دمعة العزيز!

لعل الجد وحينما كان ضابطاً صغيراً في الجيش لم يحلم أن يسود إيران، وأن يأتي أحد من نسله ويتوج كملك الملوك باعثاً من جديد مملكة فارس، وزمن أكاسرتها التي غابت في التاريخ، لقد كانت حياة الرفاهية المطلقة والزهو والبذخ والتسلط التي شهدها محمد رضا شاه بهلوي لم يسمع بها الناس إلا من خلال القصص والحكايات الأسطورية، ولم يعتقد لا الشاه، ولا أحد غيره أن هذا المُلك العظيم سيهوي بالعروش وتتشرد تلك الأسرة المنعمة التي تشرب في قوارير من ذهب وفضة، وتخلد في جنان من فاكهة ألوان!
مفاجئة الأب بالسلطان، وزوال السلطان من الابن جعلت تلك الأسرة التي خرجت في عام 1979 إبان تفجر الثورة الخمينية هروباً إلى منافي العالم، تجرجر أحزانها وتدفن موتاها في الطريق، حتى الشاه ظل يبحث عن مكان ليموت فيه، لكن الدول تمنّعت عن استقباله وهي التي كانت تفرش له سجاجيد حمراء وربما مستوردة من بلاده، وتحمل مهر عهده، لم يبق إلا السادات الذي كان يحلم أن يكون يوماً كالشاه وبجبروته، استقبله بشروط المنفى المجحفة، وقبلها الرجل الذي قتلته الحسرة قبل أن يخرج من إيران، بدموعه التي رأتها الناس للمرة الأولى، والتي كانت تعتقد أن لا دموع للملوك مطلقاً!
مات الشاه بعد شهور، ولم يبك عليه أحد في إيران المنتشية بثورتها، والملتهية بمحاربتها الشيطان الأكبر، وبتصدير الثورة، ولا في القاهرة حيث ستمشي يومها جنازتان: الأولى للشاه الميت في المنفى، والثانية للفنان رشدي أباظة، الأولى خالية إلا من بواكي وأيتام من بقي من الأسرة الشاهنشاهية، والثانية تضج بأهل القاهرة وبدمعهم الصادق لفنان أحبوه كثيراً، وأسعدهم يوماً.
ستتوزع الأسرة البهلوية تسبقها أموالها واستثماراتها في أماكن كثيرة: جنيف وباريس ولندن وأميركا، غير أن غياب تلك السطوة ولمعان ذاك التاج سيظلان يثقلان على صدر الأسرة كرحى دائرة، وسيبور المال بحيث لا تصبح له أهمية من فرح أو سعادة، وحينما تجتمع الأسرة بأفرادها لا يكون لحديثهم إلا طعم الماضي الهارب، واجترار الأسى والسخط على الأشياء، وبعض الأصدقاء!
تلك الأسرة المكونة من خمسة أطفال سيكبرون في الخارج بمأساتهم، رضا الابن البكر، وشقيقته فرح ناز، وأخته شاه ناز، وليلى صغرى البنات وعلي أصغر الأولاد، وأم عرّتها الأيام ونظرات المتشفين وأحزان متتالية ستجعلها تهرم بسرعة، أول المنتحرين ليلى الشابة في لندن قبل سنوات بجرعة زائدة، والثاني علي بطلق ناري أمس في منزله بأميركا.
حقاً.. كم هي جميلة الحياة حين تقبل.. كم هي قاسية حين تدبر، وهذه الأسرة شهدت الحالتين، رأت زهو الأولى، بفرح يتلألأ في عيون الآخرين، وذاقت عذابات الثانية، بمرارة في الحلق ودمع متكسر لا تعرفه عادة عيون الملوك!


amood8@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء