صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

سينما الفردوس

كانت إحدى أقدم دور العرض في أبوظبي، وليلة الذهاب لمشاهدة أحدث أفلام بطل المصارعة الهندي''درامندر سنج'' في سينما الفردوس مادة للحديث والتندر مع الأصدقاء لعدة أيام تالية· فقد كانت قوة عضلات البطل تذهل تلك الثلة من الشباب شديدي النحول ، وتأسرهم طريقته في كيل الضربات لخصومه· كانت سينما بلا سقف ذات مقاعد خشبية، وأصداء الأصوات الصاخبة تتعالى منها لتدخل متعة وبهجة في نفس من لم يحالفه الحظ وبقي في الجوار يوزع بصره ووقته بين لوحات وصور الفيلم المعروض· كانت السماء دائماً صافية تلمتع الأنجم في مداراتها، وتبدو لنا كما لو أنها راضية عن صاحب الدار، إذ كانت أي زخة مطر تفرق الجمع المحتشد الذي يتدافع تحت سقيفة بانتظار رحيل الغيوم ليطالب باستئاف العرض الذي كان يختل أحايين أخرى عندما ينقطع الشـــريط الوحيــد للفيـــلــم بفعـــل'' حرارة'' جهاز العرض البدائي· أين منه الأجهزة'' الديجيتالية'' اليوم· كنا ننظر لذلك البنجابي الذي يشغل الجهاز كما لو أنه عبقري زمانه وفلتة عصره، وهو الذي يجيد وصل الشريط المقطوع ويطمئن الجمهور المفزوع بقرب مواصلة عرض فيلمه المفضل· ''كانت أيام'' ومضت إلى ذاكرة الزمان، فقد اختفت سينما الفردوس وقامت مكانها أبراج شاهقة ومعارض ومنها ما يضم طابقه الأرضي معرضاً لسيارات أوروبية باهظة الأثمان من الطرازات وتغير شكل المكان باختفاء الدوار أيضا الذي أطلق عليه الناس اسم تلك السينما · المشهد برمته تغير جذرياً· ما أعاد ذكريات تلك الأيام البسيطة وجودي لبرهة من الوقت على أنقاض تلك الذكريات من دون أن أشعر بالوقت، قبل ظهر أمس عند تقاطع شارعي الميناء مع السلام للقادم من كورنيش أبوظبي· كان الازدحام على أشده، وقد فاقمه أسطول من الشاحنات الكبيرة الآتية من الميناء وهي تحمل على ظهرها عدداً من السيارات الجديدة من مختلف الطرازات التي تنتجها شركة يابانية شهيرة لتصنيع السيارات، وهذه سرعان ما ستجد سبيلها إلى طرقاتنا وشوارعنا لتزيد من الزحام· ولكن ما يجري اليوم على هذا الشارع الحيوي من المدينة هو جزء من الحل للتعامل مع هذا التدفق للمركبات، وما هو آت منها أو قائم، وللتعامل مع نمو المدينة الذي فاق كل التوقعات· والقضية باختصار كيف نتعامل مع خطط التطوير إلى حين تؤتي الثمار المرجوة منها؟ والتساؤل الذي يبرز بذات القوة أيضاً ، يتعلق بتلك النتائج المتوخاة من هذه الخطط إذا ما استمر طوفان السيارات هكذا يتدفق إلى طرقاتنا· وياترى هل ستساهم الإجراءات الجديدة بقصر استصدار رخصة قيادة سيارة وبالتالي امتلاكها على مهن معينة في التخفيف من الزحام الذي يغمرنا؟ وبين وميض الذكريات التي تلح على المرء وسط زحام مدينة تتشكل من جديد لتواكب متغيرات ومستجدات الإيقاع الجديد، تنبجس الحقيقة التي يجب التعامل معها إلى حين استكمال البلدية خططها ومشروعاتها التطويرية، فقد وضعت من الطرق البديلة وصنعت من التسهيلات ما يخفف من وطء تداعيات هذه الأشغال، وكل ما علينا مساعدتهم بشيء من الصبر والتعاون، فكل ما يجري هو من أجلكم

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء