أخطأ محمد الماغوط. سيّاف الزهور الذي هجاه في نصوصه البديعة، لم يكن متوحشا. قطع رؤوس الزهرات بسيفه البتّار لكي يصنع منها باقة تغازل حنانه الهمجي. ذلك تفسير يعجب، ربما، بعض الذين اختلطت في أذهانهم وأوراقهم المفاهيم ومراميها، وربما يحتاجونه في ورطتهم الماثلة. مثل هؤلاء يغضون الطرف عن السيّاف الناشط حاليا، ويتجاهلون الزهور المغتالة. والحكاية تحتاج إلى شرح. قبل أيام أعمل سيّافان نصليهما برأسين. مجموعة مسلحة أقدمت في معرة النعمان بريف إدلب شمال سورية، على قطع رأس تمثال «فيلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة» أبو العلاء المعري (973م. ـ 1057م) وتشويهه. مجموعة أخرى مثلها بترت رأس تمثال عميد الأدب العربي طه حسين وسط مدينة المنيا المصرية، وأخفته. نفهم التماثل بين المجموعتين في سورية ومصر، فـ«المعدومان» متماثلان أيضا. أولهما المعرّي كان أبرز صوت للعقل العربي في زمنه، عندما ظهر كثير من الخلفاء في مصر وبغداد وحلب الذين، راحوا يستغلون الدين كأداة لتبرير وتدعيم سلطاتهم. ومعهم ظهر نفر من الوعّاظ والدعاة والمفتين، يسوّغون الاجتراء على الحق والافتراء على أصحاب الحقوق. في مثل هذه البيئة كتب «رهين المحبسين» فلسفته في «سقط الزند» و«اللزوميات» و«رسالة الغفران» تحت عنوان وحيد هو تحرير العقل من الغيبيات. من حق علماء الدين ألا يتفهموا بعض آراء أبو العلاء المعرّي، وأن يناقشوها، وأن يقوّضوها. لكن ليس من حقهم أن يوحوا لحملة السيوف لكي يقطعوا رأسه، ولو بعد ألف عام. فهذا النباتي كان في رقة زهرة وهو يخاطب الباطشين: «خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد». طه حسين نال نصيبه في حياته من اتهامات الزندقة والهرطقة. سيق إلى المحاكمة وتمت تبرئته. اتخذت بحقه عقوبات إدارية في الجامعة، قبل أن تستعيده الإدارة المصرية عميدا ووزيرا. لكن سهام التكفير لن تعفي صاحب «الأيام» من سمومها بعد عقود من رحيله. عرف السيّافون متشابهاته مع المعرّي، كما عرفها هو. وهي بالمناسبة ليست كفّ البصر فحسب، ولكنها رحابة البصيرة، التي فصّلها في رسالته للدكتوراه عام 1925. في زمن الرؤوس المتطايرة، لا يهم ما قيل عن العلمين الفكريين العربيين المغتالين، رمزيا، في أسبوع واحد، بل المهم هو ما لم يقل بعد. كان من الطبيعي أن نقرأ مقالات سطرها مثقفون ونقّاد في عدد من الصحف العربية. لكن من غير الطبيعي ذلك الصمت الذي عقد ألسنة وجوه بارزة وناشطين ومتحدثين إعلاميين باسم جماعات منخرطة في الحراك العربي، خصوصا في سورية ومصر، تحت عناوين علمانية ومدنية وليبرالية وعقلانية متنورة. صمت هؤلاء عما اقترفه «حلفاؤهم» من حملة السيوف ومحترفي قطع الرؤوس. كأن التوازنات السياسية تفرض عليهم إدارة الظهر للارتكابات الحمقاء. ربما يعتقدون أن سمو الهدف يبرر قذارة الوسيلة. ولكن ماذا لو كان الأمر أسوأ من ذلك؟ ماذا لو كان نابعا من تكوينهم السياسي الجيني؟ فأغلب هؤلاء صمتوا عن ارتكابات السلطة في بلادهم ثلاثين عاما، وعندما تفجر الاحتقان تصدروا المشهد. وهم الآن يصمتون عن ارتكابات طلاّب السلطة بإعمال الحراب في الرقاب، لكي يبقوا في صدارة المشهد. لو كان الماغوط حيا لكان مدح رقّة سيّافه. حينها كانت الرؤوس فوق أكتافها بعد. ولو كان محمد مهدي الجواهري حيا، لأصبحت قصيدته التي قرأها في الاحتفال بألفية أبو العلاء (1944) نشيدا من أجل حياة العقل أو موته: قف بالمعرة وامسح خَدَّها التَّربا... adelk58@hotmail.com