تؤكد كل الأدبيات والخطابات التي تتناول علاقة الإنسان بالحياة على أنه ضيف على هذه الأرض، ووجوده مؤقت، لكنه يصر على أن يكون ضيفاً ثقيل الظل والدم، وخلال ممارسته لهذا (الثقل)، فإنه يتحول إلى كتلة، والكتلة مادة، وكلما ثقل وزن الكتلة ازداد الإحساس بتأكيد استمرارية الوجود، أي الخلود، فيسعى إلى بناء حياته على أنه غير مندثر، ولا يتحلل، ولا يغيب، فتأخذه زهوة الحضور، وينطلق من الزهو إلى تكريسه، فيقع في فخ التملك: امتلاك البيت أو البيوت، العمارة أو العمارات، وامتلاك السيارة أو السيارات، وامتلاك المال أو الأموال، ويصل إلى حد تسوّل له نفسه التواقة للخلود أنه يمتلك البشر، وهنا يقع في فخ آخر: امتلاك المصائر، والحاضر، والمستقبل، وامتلاك زمن غيره، وسلوك غيره، ومقدرات غيره، وأرض غيره، وربما أرواح غيره. الإنسان مخلوق، لكنه يدعي الخلق حين يحقق أقصى درجات تجلياته، أي حين يبدع، وهنا يحق له امتلاك ما يبدع، لكن نظرية موت المبدع تقول إنه حين ينتهي من نصّه وينشره فإن صلته به تنقطع، ويتحول إلى نص الآخرين، يتعاملون معه بالطريقة التي تعجبهم، يرون فيه ما يريدون، وقد يؤسسون عليه نصّاَ آخر. فإذا كانت علاقة المبدع مع نصه خارج حدود التملك والملكية، فهل يمتلك الأب أبناءه، والأم بناتها، والأخ الكبير إخوته الصغار، والأخت الكبرى أخواتها الصغيرات، والزوج زوجته؟ وهل يحق لكل هؤلاء (الملاك)، أن (يخلقوا) نماذج على شاكلتهم وأمزجتهم وأفكارهم ورغباتهم؟ في الوقت الذي يؤكد علم الجينات بأن المخلوق يأتي وصفاته الشكلية والجوهرية معه، ومهما حاول المربي أن يحوّل أو يعدّل أو (يخلق)، فإنه لن يستطيع تغيير الخريطة الجينية للإنسان، لاسيما أنه سيحقق ما خُلق عليه، وكل ما يفعله هذا الذي يظن نفسه (مالكا)، هو مراقبة ونصح وتوجيه ومرافقة وحماية الآخر، وفتح حوار معه مبكراً، وتزويده بالمحبة والحنان والرأفة والاحترام، بعيدا عن الإملاء والإصرار والفرض والإجبار والطاعة. لقد خلقت روح الإنسان حرة ويجب أن تبقى كذلك، وخلقت منطلقة لها الحق في الاختيار ويجب أن تبقى كذلك، وأي محاولة لفرض مسارات على الروح بالقوة، فإنها ستتعرض للاعتلال والإنهاك والمرض، وبالتالي سيمرض وعاؤها، وكلما زاد مرض الروح زاد الجسد اعتلالا. إن الإنسان المبدع المبتكر المنتج المجتهد هو الإنسان الحر، وهذه الحرية ليست منّة من أحد. ورغم كل ذلك، تبقى هنالك منظومة للقيم الإنسانية، مسؤولة مهمتها تحقيق السلام والتعاون بين بني البشر، وهي لا تختلف في جوهرها من مجتمع إلى آخر، وكلها ترفض التملك والامتلاك، وتساعدنا في الانتقال من مرتبة البشر إلى مرتبة الإنسان. akhattib@yahoo.com