لدينا الكثير من الشباب في مجتمعنا الاستهلاكي، ممن يظلون يكدون على البنوك، وتروح نصف مشاهرتهم لها، وتظل البنوك تستاديهم لسنوات طوال، ولا يبدو أنها ستنتهي، وهم بالكاد يوفونها «حقها» المضاعف، وأرباحها التي لا يحسبونها عند تقديم طلب القروض؛ لذا تجدهم ما أن يكادوا يتخلصوا من دين، إلا ويسعون طالبين ديناً آخر، وكله في مسائل كمالية للأسف أو لزوم الوجاهة الاجتماعية الزائفة، فالواحد منهم ما أن يتخرج، ويقبض ذلك الراتب الذي يزيد على الخمسين ألفاً، فيعتقد أن الدنيا فتحت له، بديمومة الوظيفة، والاتكال عليها، ومع أول راتب، تبدأ القروض الميسرة من قبل البنوك، و«تربيط» الزبائن، باعتمادات، وبطاقات، وسلف مختلفة، فيقوم الشاب الذي ما زال في أول طلعته، ويسحب تلك السيارة الفارهة، والتي تزيد على نصف المليون، وتقارب المليون، فيفرح بها وهي جديدة، و«يتوزى» لها رقماً مميزاً؛ لأنه يعتقد أن السعادة والنجاح، فيما سيقوله الناس عنه وعنها، وعن تلك الأشياء التي ليس لها قيمة إلا في رأسه، وأنه يمكن أن يغش بها ربيعته، أو خطيبته المستقبلية، أو يمكن أن يوحي للآخرين أنه سليل نعمة، لا وليد نعمة، ولكن بعد مضي السنتين الأولى والثانية، يبدأ يتراخى في تأمينها الشامل، ويعجز عن صيانتها الدورية، ثم تكثر أعطالها، فتعافها النفس، المجبولة على حب التغيير والتبديل، وتظهر «موديلات» جديدة تخلب اللب، فتقع في كبده، خاصة أنه ما زال يكح كل شهر أقساطها التي تربو على العشرين ألفاً، وأمامه سنوات طوال وعجاف، وهنا قد يدخل في محاولة تجريب حظه في الـ«بزنس» لتحسين وضعه المادي، وهو لا دراية بالعمل، ولا دراسة حقيقية للجدوى، أو يسعى مع الساعين لأسواق الأسهم ولعبتها، وأموالها المفرحة بداية، المتبخرة نهاية، فيكثر الدين، ويضطر أن يتخلى عن السيارة الفارهة، ويبيعها بأبخس الأثمان، ويعمد لبطاقات الاعتماد، وينفضها عن بكرة أبيها في حدها الأقصى المتاح، فقط لكي ينقذ موقفاً أو يرقّع من هنا وهنا، فيأخذ طربوش هذا، ليلبسه رأس ذاك، لكنها جميعها حلول وقتية، لا جذرية، هنا تتدهور أوضاعه الاجتماعية والوظيفية مع تدهور وضعه المادي، فيكون تشتت أسري، وتقصير في حق أهله، وتقتير عليهم، أو يكون انحراف، وهروب من الواقع ومشكلاته باتجاه ما التخدير الوقتي، وأحلام اليقظة، ومنهم من يبتز أسرته، ويجبرها على أن تبيع أملاكها إن وجدت، مقابل أن لا يقول الناس أن ولدهم محبوس. لنا في كل بيت قصة مشابهة لهذا الشاب، والسبب عادة ما يبدأ بسيطاً نتيجة عدم الوعي، وفهمنا للأمور بمنطق معكوس، فالأجدى أن أكدّ على نفسي، لا أكد على البنوك؛ لأن طريق السعادة مختلف!