صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

لماذا أحلامنا لا تزهر؟

علي أبو الريش
استماع

عندما تفكر بأن تكون مثل جارك تشعر بالتعاسة.
عندما تتخيل أنك تستطيع صعود الجبل وأنت تعاني روماتيزم المفاصل، فإنك تصاب بالإحباط، والقنوط.
عندما تفكر أن تصبح طبيباً وأنت ضعيف في مادة الأحياء، تعتريك نوبة صرع تهز وجدانك وترج بنيانك، وتزلزل كيانك، وتعيش أبد الدهر بين الحفر.
عندنا تفكر أن تبني منزلاً يفوق دهشة وروعة وبراعة منزل قريبك، وأنت لا تملك إلا قوت يومك، ينتابك إحساس بالنقص، وتبدو مثل خنفساء مريضة تحاول صعود جذع شجرة عملاقة.
عندما تفكر في حل مسألة رياضية، وأنت لا تفقه حتى جدول الضرب، فتبدو مثل سمكة مصابة بالغثيان.
عندما نفكر أن نكون مثل غيرنا، فإننا نخرج من فناء ذواتنا، وندخل بيوت الآخرين، فنبدو غرباء، والغرباء عندما يصطدمون بجدار الغربة، يبدون مثل مهاجرين ألقوا أنفسهم في عرض المحيط، فلا مجال لديهم إلا الغرق.
عندما نفكر أن نكون هم، وليس نحن، نبدو مثل خرفان تحطمت سيقانها وتريد أن تلحق بالقطيع فلا تستطيع، فتصاب بالدوار والعجز، ولا مآل لها غير الوقوع على الأرض، ولعق السيقان المجروحة. فإذا أردت أن تزهر فكن أنت ولا تكون غيرك، كن فرداً في الموقف، ولا تكون شخصية من صنع الآخر.
الآخر يخدعك عندما يرسم صورتك في المرآة ويقول لك هذا أنت، فاذهب إلى العالم، واحتف ببزوغك شمساً تطل على الوجود، بأفق يزهر بشعاع التفوق، والنجاح.
الآخر يخدعك عندما يصنع أحلامك، من رمل الصحارى القاحلة. الآخر يخدعك عندما يتباهى بما لديه، لأنه يريد منك أن تشقى، ليسعد هو،
الآخر يخدعك عندما يرسم لك صورة وهمية على قماشة قديمة تمزقت خيوطها.
الآخر يخدعك عندما يقول لك أنت شخصية فذة، فتزهو أنت، وتزدهر بأحلام أشبه بالأضغاث، وتلهث وراء الأشباح، وتلهج بلغة مرتبكة، تظن أنك وصلت إلى قمة الجبل، بينما أنت ما زلت في الحضيض.
فكر في فردانيتك، وسوف تنجو من الجري خلف محارة فراغك، سوف ترتاح من النظر إلى عصفور فوق قمة الشجرة، وتظن أنه سوف يسقط بين يديك.
كن أنت وسوف تزهر زهرتك الداخلية، وتترعرع، وترفرف، وسوف تؤمك فراشات الفرح، وتحدق في عينيك، مبتسمة، وسوف تبتسم أنت، وتتخلص من شحوب الجبين، واكفهرار الوجنتين، وذبول الشفتين.
كن أنت، وسوف تجد نفسك مثل فيلسوف وجد ضالته في الفكرة النيرة. كن أنت، وسوف ترقى الجبل بجناحين من فكرتين ناصعتين تكونان هما الضوء الذي يدلك على مكان خلية النحل التي تنتشي من رشفاتها.
كن أنت، سوف تضاء غرفة عقلك بمصابيح القناعة، ولن يعذبك وجه نجمة لا تطال خيوطها. كن أنت ولا تكون هم، سوف تشعر بأنك موجود في الوجود بقميصك لا بقميص غيرك.

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء