هناك أشياء صغيرة في ظاهرها، لكن قد دفع بعضنا الكثير في سبيل الحصول عليها أو الوصول إليها. أشياء تعنينا جداً، أو أشياء تبعث السعادة في قلوب البعض منا، أو قد تعني لنا أن الحياة لا تزال مستمرة، وأننا لا زلنا نقبض على إنسانيتنا بشكل صحيح، وأن ينظر إليها الآخرون بعدم اهتمام أو بلا مبالاة أو بتهكّم أحياناً كثيرة، انطلاقاً من تقييمهم ونظرتهم، فإن هذا لا يغير من اهتمامنا وإصرارنا على أهمية تلك الأشياء، فلكل منا أشياء نعتبرها في غاية الأهمية، ونحن في أمس الحاجة إليها، بينما لا يتوانى الآخرون عن النظر إليها بتهكّم لأنهم يرونها تافهة «حسنا، إن ذلك أمر يعنيني ولا يهمني كيف ينظر إليه الآخرون»، هكذا أجيب حين أعجز عن إقناعهم. في لحظات كثيرة، ينتابني شعور بالحنين لبعض الأماكن التي زرتها أو جلست على مقاهيها في مدن بعيدة، فأشعر بأن رذاذاً يتساقط على رأسي، وتمتلئ ذاكرتني بالحنين لتلك المقاهي والشوارع الضيقة والبيوت الصغيرة المتجاورة ذات النوافذ الضيقة المرصوفة أطرافها بأصص زرع الزهر البهي. وبما أن الإناء يفيض بما فيه حين يمتلئ، فإنني أفيض شوقاً إلى تلك الأماكن وأجدني سريعاً على متن الطائرة مغادرة إلى هناك، دون أن ينسى أحد أصدقائي أن يودعني قائلاً، هل يستحق الأمر كل هذا السفر الطويل من أجل مقهى؟ أنظر إليه مبتسمة وأقول: نعم إنه يستحق.. بالنسبة لي طبعاً. ولا يمكنني أن أغادر مدينة صغيرة دون أن أجمع صور تذكاراتها وشيئاً منها، تذكار صغير يشدني إلى واحد من أجمل الأماكن التي لا يمكن أن أنساها، حتى امتلأت أرفف مكتبتي بهذه التذكارات، وغالباً ما سمعت أحد أخوتي يعلق ضاحكاً: ما ضرورة هذه الأشياء ماذا ستفعلين بها؟ فأقول له: لا أدري ماذا سأفعل، فأنا لم أفكر في الأمر بهذه الطريقة.. بالنسبة لي الأمر يستحق ما هو أكثر. في أيام الربيع تحديداً، أندفع للسفر إلى واحدة من أجمل المناطق اللبنانية، لأمشي بعض الوقت في سوقها القديم وأتأمل بحرها ومراكب الصيادين فيها، ولأشتري من امرأة ثرثارة لكنها لطيفة جداً بعض الفضيات والخواتم الملونة على مدخل السوق، ثم لأجلس على المقهى القديم لأتناول الكابوتشينو، لا يهمني الكابوتشينو فأنا لم أقطع هذه المسافات لأجله، لكن المكان يعنيني كثيراً وهو ينقر في قاع القلب لشدة اختلافه، ذلك الاختلاف الذي يقودني إلى هنا دون تفكير كثير. هذا الصباح كنت أتحدث إلى صديقة عزيزة في شيء له صلة بالأشياء الصغيرة وسألتها عن شيء أو مكان حميم تذهب بعيداً لتستمتع به ويعني لها الكثير بينما قد ينظر إليه البعض بلا أهمية، فقالت: أنا مستعدة حين تلح على تلك القرية البعيدة في فرنسا أن أقطع آلاف الأميال وأنزل في باريس ثم آخذ القطار لساعتين ذهاباً وساعتين إياباً من أجل أن أقضي 24 ساعة في هذه القرية، علاقتي بهذه القرية تتعلق بأمر خاص جداً، وفي غاية الأهمية بالنسبة لي. وافقتها الرأي بلا تردد. ayya-222@hotmail.com