تلقيت رسالة من معهد زنجبار لدراسات المحيط الهندي تدعوني لعضوية اللجنة الاستشارية، وقبلت ذلك فهو شرف لكل باحث وتثمين لا يستهان به في المحافل الدولية. وبعدها بأيام بعثت إليّ بروفيسورة إيرانية من معهد ألماني ُيعنى بالدراسات الإنسانية يرسالة إلكترونية تدعوني للمحاضرة في معهدهم الموقر كخبيرة في مجال الدراسات الإثنو موسيقية والتي تعتبرها منظمة «اليونيسكو» من مثريات ثقافة وحضارة الشعوب. وبعد ساعات من تلقي تلك الرسالة وردت أخرى من فرنسا تدعوني إلى زيارة بلاد الإفرنجة والعمل كمستشار لبحث يتعلق بنبش تفاعلات مجتمعات الخليج تقوم بإعداده إحدى المؤسسات الأكاديمية هناك، فقلت لابد من أن هناك خللاً فنياً إلا أن تفكيري الإيجابي طرح فكرة غير واردة في بلادي ألا وهي «إمكانية كون الإماراتي خبيراً» وفي هذه الحالة أكون الخبير الأجنبي الذي تخصص في دراسة بلاده التي يمثلها بعيداً عن مجالاتها الجوية والجغرافية. ودار حوار بيني وبين صديقة ومسؤول مخضرم في إحدى الوزارات حول «الخبير الأجنبي» وأدركت من محاور الحديث واستشفيت من شفافيته أننا أي الإماراتيين والإماراتيات أمام صراع للبقاء و إثبات الذات حتى لمن تدنت مستويات فهمهم لمجتمعنا وللعوامل الفاعلة والأساليب الفعالة لإنجاز الخطط. لقد أصبح همنا الوحيد هو التفكير في «الخبير الأجنبي» وزيارته لمواقع عملنا ورأيه وتقييمه لما نحن فاعلون. وهذا الخبير يسأل قليلاً ويكتب كثيراً ولاتهمه الورود التي تزين ممشاه ولا يكترث لشرب فنجان قهوة من دلة «ملقمة توها ومكندة على الكيف» أو حتى «طبقة البلالي اليديدة». نحن في غيبوبة تاريخية، وهو الفريد، الخبير والمتخصص الذي يعرفنا ويعرف كل شيء «زين لنا»؛ وما سلوكياته تلك إلا للبحث عن «منظومة طرزان» تلك التي تمكنه من البقاء لأطول فترة ممكنة ما دام قادراً على إعادة ترتيب جمل تقاريره في كل مرة يقدمها فتبدو براقة ورنانة. كل ذلك يخلق جواً من الحنق ويوسع الفجوة التي تنادي بالازدواجية، فالمرء إما أن يكون معك أو ضدك أو يكون مواطناً في حين يكون «الآخر» وافداً. هذه المنظومة مدمرة فهي تشغل هاجس المواطن وتدعوه للدوران في فراغ لا محدود ويسهب في نقده لما يدور حوله وعن تقلص دوره ومدى فاعليته كعضو يسعى إلى رقي مجتمعه. وعلى أبسط الأمثلة عند التقدم للعمل يكون «راعياً لبلاد»، ومطالباً بشهادة حسن السير والسلوك وبتعبئة استمارة يعلن فيها عن أسماء أفراد العائلة والمعارف الجديرين بالذكر. ويقدم عرض العمل بعد إجراءات يكاد فوز «من سيربح المليون» أقرب إلى الواقع منها. وعلى عكس ذلك يتم توقيع عقود إلكترونية مع بعض الخبراء الأجانب الذين لا ندري من أي مستنقع زحفوا ومن أي خلفية نفسية أو جنائية يأتون !!. يقول المثل الشعبي المنطقي «لا تصدق الشايب ولا الغريب» و يقول مثل آخر «يا غريب كن أديباً» ويحشر مثل رئيسي نفسه بينهما «حد احشمة وحد احشم عمرك عنه».