هويتنا الوطنية·· من أين البدء، وكيف ينجز الحل الناجع دون خلل أو زلل أو تجديف، أو تحريف، أو تجريف للبيئة الوطنية، نحن بحاجة إلى أن نبدأ أولاً من التعليم، هو المفتاح، وهو باب النجاح، وهو المصباح الذي سيقودنا إلى باب الأمان، للحفاظ على مقدرات البلد ومستقبل الإنسان في وطننا· في البدء كان التعليم والشهادة الجامعية بالأخص وسيلة للبحث عن ''البرستيج'' والمظهر الاجتماعي، وكان الطالب الجامعي يعد العدة والعديد، من أجل تبوؤ مركز وظيفي يليق به كخريج مواطن يجب أن يلحق بالركب ليحظى بما حظي به سابقوه من وظائف تدر المال والسمعة وتضعه في مقدمة الصفوف، هذه القيم الاجتماعية نأت بالغالبية العظمى من خريجي الجامعات عن الصفوف المتأخرة وهكذا كما كانوا يعتقدون ويقتنعون بها من مذاهب اجتماعية ذهبت بهم بعيداً عن مواقع الإنتاج الوطني الحقيقي مما فرض أمراً واقعاً على البلد بأن تستعين بلفيف من البشر غطوا مواقع محورية وحساسة خاصة تلك الوظائف الخدمية والحرفية التي لا تقوم أي قائمة لبلد، دون أن تنهض المهن الحرفية فيه، الأمر الذي جعل الخريج المواطن يجد نفسه بعد حين من الزمن بلا وظيفة لأن ما يتسلح به من شهادات علمية ونظرية لا يفي بحاجة الوطن ولا يملأ الفراغ الوسيع الذي هجره أبناء الأرض والتفتوا إلى دراسات نظرية تشبعت منها المواقع واتخمت وصارت تستفرغها كما يتقيأ الجسد المريض زاده· ما المطلوب إذا؟! نحن بحاجة إلى إرادة شعبية قبل الرسمية وإلى قناعات غير القناعات السابقة وإلى أبناء وطن لا يستنكفون الوظائف الحرفية ولا يتقززون من الدراسات العلمية المرتبطة بالصناعة والزراعة والتجارة ، فالإمارات اليوم خطت خطوات واسعة وشاسعة في مجال النهوض الاقتصادي والصناعي الأمر الذي يفتح أفاقاً جديدة أمام الدارس المواطن، بأن يعي أهمية المسؤولية الملقاة على عاتقه، وأن يتحرر من تقاليد باتت بائسة ولا جدوى منها، وأن يخرج إلى الحياة وفضائها بفكر أكثر تجريداً من مخلفات الماضي وظواهره البراقة التي لا تشبه إلا الحمل الكاذب·· نحن بحاجة ماسة إلى وعي جديد وإلى فكر جديد، وإلى حلم جريء يتجاوز حدود الأوهام السابقة، ويعلو على المظاهر التي ما خلفت غير التكاسل، والتواكل والتواطؤ مع الفشل الذريع ، نحن بحاجة إلى دارسين يضعون نصب أعينهم مستقبل البلد وكيف يتم تخليصه من هذا الخلل الفظيع وهذا الفشل الذريع في التوازن الاجتماعي، والخلق الإبداعي في صياغة وطن يحفظ الود لهويته ويجعلها في موقع الرمش من العين، نحن بحاجة ماسة إلى مواطن لا يتعالى على خدمة الوطن في أي موقع وفي أي مجال، فالعمل شرف وتاج وناموس، يستحق منا تبجيله وتقديره والاعتزاز به، فأي خيبة تصيب الإنسان عندما لا يرى في مجالات العمل الحرفية أي وجه لمواطن يقوم بالنهوض بالواجب الوطني ويسعى إلى ملء الفراغ، وجعل المهنة أي مهنة، هي واجب، وهي مسؤولية ملقاة على كاهل الجميع· التركيبة السكانية لن تحل من فوق ولن يقطع دابر المشكلة من طرف واحد مهما فعلت الحكومة واجتهدت فإذا لم تتظافر الجهود الشعبية مع الجهود الرسمية، فإن كل الدراسات والبحوث ستذهب جفاء كما يذهب الزبد، ولن يحالفنا إلا التراجع والمزيد من تفاقم المعضلة والتي أصبحت أرقاً وقلقاً وخطراً محدقاً يلازم كل فكرة تطرح لحل هذه المعضلة·