مازالت معركة الحجاب قائمة على قدم وساق في بعض أقطار أوروبا، لكنها أخذت بعداً أكثر تطرفاً وأصولية على ما يبدو في عاصمة الأزياء والمعكرونة بعد أن انتقد وزير الداخلية الإيطالي جوليانو أماتو دعاة منع المسلمات من ارتداء الحجاب معتبراً أن هذه الحملة التي تتصدى لها قوى سياسية وإعلامية إيطالية وأوروبية تعكس نزعة إمبريالية غربية، يبدو الاتهام قاسياً وشديد الوقع على خصوم الوزير، لكنه من وجهة نظره هو يراه منطقياً ويعتمد فيه على المقارنة والقياس والاستدلال تماما على طريقة التفكير المنهجي بحسب السائد والمتعارف عليه أوروبيا. أماتو الذي يصنفه خصومه في هذه المعركة بأنه أصولي متطرف بحسب موقفه من الحجاب الإسلامي قال في كلمة اختتم بها أعمال ندوة وطنية حول الهجرة في مدينة «فلورنسا» إن «ارتداء الحجاب قد يكون مؤشراً على تجاوزات من الرجل بحق المرأة بينما يعتبر في حالات أخرى تعبيراً محقاً وطبيعياً عن الهوية وأن منع ارتداء الحجاب يعني فرض أيديولوجية إمبريالية غربية على الآخرين ومحاولة إلغاء هويتهم». لقد عبر أماتو عن استيائه من مثل هذه المحاولات الامبريالية العنصرية في إشارة لعدد من المبادرات التي تتبناها شخصيات وقوى سياسية يمينية بتحريض بعض الأوساط الإعلامية بإلحاح لمنع المسلمات من ارتداء الحجاب وخاصة في المدارس أسوة بالقانون الفرنسي وهنا فإن الوزير الايطالي يضع مستقبله السياسي على المحك في هذه المعركة القاسية بعض الشيء والتي حسمت أوروبا موقفها منها كما فعلت فرنسا مثلا. يبدو أن الوزير لا يهاجم دعاة نزع حجاب النساء المسلمات في ايطاليا فقط ولكنه ينحاز ضد الاوروبيين الذين يرون في هجرة العرب والمسلمين إلى إيطاليا تهديداً للهوية ووعاء للجريمة، مذكرين بتلك التيارات العنصرية في ألمانيا وفرنسا والتي تطالب بإغلاق أوروبا في وجه المهاجرين محملينهم وزر الجرائم وأحياء الفقر وتداعيات مخاطر الهوية، لكن وزير داخلية إيطاليا يعتقد أن إغلاق البلد في وجه الهجرة يمثل خياراً يحكم على البلد بالانحدار ويعني أن إيطاليا في عالم يتغير وفق نظرية العولمة الكونية تختار الانحدار السكاني والثقافي والسياسي. ayya-22@hotmail.com ما نعرفه كعرب وكمتابعين للشأن الإسلامي للجاليات العربية والمسلمة فإن المسلمين في إيطاليا يتمتعون بحرية كبيرة في إقامة شعائرهم الدينية، فالمساجد والمراكز الإسلامية الرئيسية متوفرة وتحظى باحترام شديد، ومن زار العاصمة روما حاضنة الفاتيكان مركز الثقل المسيحي في العالم يعرف أن للمسلمين تجمعات معروفة ومحل احترام وحماية للصلاة ولتجمعات ما قبل الإفطار مثلاً. وهنا فإن تعبير الاضطهاد أو التمييز ربما يكون مبالغاً فيه، لكن بالتأكيد لا يحصل المسلمون على نفس حقوق المواطنين الإيطاليين الآخرين، حيث يعيش في إيطاليا نحو مليون مسلم حسب الإحصاءات شبه الرسمية، منهم خمسون ألفاً فقط يحملون الجنسية الإيطالية. مع ذلك فإننا لا يمكننا أن ننظر لمعركة الوزير مع خصومه في هذه القضية إلا بعين التقدير فعلاً، خاصة حين أطلق تلك الكلمة المدوية في وجوههم قائلا: إذا كانت السيدة مريم العذراء محجبة في كل الصور التي وردتنا ضمن ثقافتنا المسيحية فكيف يمكنني أن أقف في وجه أي امرأة تضع الحجاب وأطالبها بنزعه، والسيدة مريم من هي قداسة ومكانة بين نساء العالمين في المسيحية وفي الاسلام معاً؟!