صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

تهميش الآخر طريق إلى الفناء

هناك من يبدأون من الصفر، ويحرثون في البحر، وينحتون الصخر، ويقبضون على الجمر، ويسطرون على غصون الشجر، ويخشعون إبداعاً بلا ضجر، وينسجون خيوطاً من دم وحبر، الأمر الذي يجعلنا نقول إن مقولة الثقافة النفطية الاستهلاكية ليست واردة في عمل أبناء المنطقة، وما يفرض من إشاعة ما هي إلا محاولات لتفكيك مركبات نقص وبؤس لدى أطراف وجدت من الانتقاص من أبناء الخليج وسيلة دفاعية لحماية ذواتهم المنهكة تحت رحى الإفلاس الاجتماعي والنفاق. الخليج بحر من عطاء ودماء تنفق وعياً بقيمة الناتج الاقتصادي كونه بنية تحتية ترسخ واقعاً ثقافياً يشكل سقفاً لحماية المنجز الاقتصادي، وخيط الحرير الذي يصل ولا يفصل بين واقع الحياة وواقع الانتماء إلى الإنسان أينما كان في القارات الخمس. لا يستطيع كائن من كان أن يتحدث عن ثقافة عربية مفصولة جذراً وغصناً عن الثقافة في منطقة الخليج العربي كونها همزة الوصل المتصلة بألق الحضارة العربية وتراثها وأمصالها على مر القرون. بعض المتقاعدين والمتقاعسين عن قراءة الواقع العربي يجدون ذلة في التجزؤ، ونشوة في تقطيع الأوصال، ورغبة عارمة في وضع الفواصل، في الجملة الواحدة وتحميل الواقع الثقافي العربي ما لا يحتمله من فطريات أشبه بالفطريات التي تتناسل وعياً مغشياً عليه، أو هو في حال الموت السريري، الأمر الذي يجعل الكثيرين ممن ينصبون أنفسهم أوصياء وأولياء ونبلاء الثقافة العربية، تاركين الهوامش لباقي التضاريس العربية.. البعض ممن لا يرى أبعد من أخمص القدم، يرى في نبوغ الآخر مسبة وإهانة، ويرى في تفوق الآخر معضلة لابد أن يقف منها موقف الضد، فيحك صدغه حائراً، مبحلقاً في الفراغ الوسيع، ملتاعاً من شدة الأذى. التاريخ الإنساني واحد، والثقافات البشرية خارج الحسابات الشخصية، أو القطرية، أو الطائفية، التاريخ الإنساني بشمس إبداعية واحدة وقمر ثقافي واحد، كما أن الهم واحد، والنظرة إلى الوجود واحدة. وإذا استعصى على البعض فهم القاسم المشترك الذي يجمع بني البشر، فعليهم أن يتقصوا حقيقة أنهم قد يختلفون في تضاريس المكان، لكنهم يأتلفون في القيم الإنسانية، والذاكرة الجمعية. كل ما نتمناه أن يتحرر البعض من شوفينية التفكير، وأن يتخلصوا من الطائفية الإبداعية، وأن نحلم جميعاً بعالم واحد، تضاريسه هذه الثقافة بأذرع الجهات الأربع، ونلون الفضاء الإنساني بإبداع، لا نفرق، ولا يفرق في التطبيل والتبجيل لجهة على حساب تهميش جهات أخرى.. وأن نتعرف إلى أنفسنا من خلال احترام الآخر، والقبول به كضلع من أضلاع المثلث الكوني الواسع الرحب.. أتمنى ألا ينغمس البعض في أحلام الماضي المزعوم ليخرج إلى المستقبل بعين ترى ما حولها وتبصر تفاصيله، ومفاصله وفواصله. أتمنى أن يكون الحب هو دافع الإبداع.

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء