التوجه الجديد لدى شباب اليوم هو لصالح التقنية الحديثة بلا شك، هذه حقيقة نلمسها في كل لحظة، والشباب يقدمون لنا أدلتها على امتداد الوقت، والأمر ينسحب حتما على الإعلام والصحافة، حيث تشكل المواقع الإخبارية والاجتماعية والنسخ الإلكترونية للصحف والمجلات تهديدا حقيقيا للإعلام التقليدي وللصحافة الورقية، فرتم الحياة السريع، وسهولة تعامل جيل اليوم مع تقنيات الوسائط الإعلامية، ومحدودية سقف الحريات الإعلامية وبطئها في التعامل مع الخبر وخلافه يجعل من الإنترنت ملاذا سهلا وخيارا مفضلا في نهاية الأمر.
هذه الحقيقة لا يجب أن نتعامل معها كإعلاميين وكمسؤولين عن الإعلام ببساطة وبلا أدنى مبالاة ، لأنها وان لم تحمل بذور نهاية عصر الإعلام التقليدي إلا أنها تحمل بشارات غير سارة أبدا فيما يتعلق بنسب التوزيع والاشتراكات ونقاط البيع، ومؤسسات الإعلان والدعاية، فهذه كلها مهددة لصالح التقنية الحديثة والوسائط المتعددة، والقول إن الإعلام التقليدي غير مهدد ماليا غير مهتم على طريقة “يا جبل ما تهزك ريح الإنترنت “ لا يعتبر ذكاء في التعامل بقدر ما يعتبر هروبا للإمام لن يقود إلى نتيجة مرضية أبدا !
إن الأزمة المالية التي يعيشها العالم أجمع قد انعكست سلبا على مؤسسات إعلامية ضخمة، بعضها اندمج مع مؤسسات أخرى شبيهة وبعضها باع نفسه وتخلص من كثير من الأعباء، لمواجهة الكلفة الخيالية للإعلام، وعليه فحتى أكثر المؤسسات الإعلامية العربية المرتبطة في تمويلها بالحكومات والمصادر الرسمية ستجد نفسها بين يوم وآخر مضطرة تحت قوة ضربات الضائقة المالية إلى أن تبحث عن مصادر تمويل أخرى ستأتي أغلبها من الإعلانات ونتيجة علاقات متشابكة عبر تقنيات العصر ، فالإعلانات التي نقرؤها على المواقع والصحف الإلكترونية ستكتسح كل شيء وستلتهم نصيب الإعلام التقليدي أجلا أم عاجلا مالم يتعامل هذا الإعلام مع التطورات بواقعية وبمرونة.
إن الجمهور المتلقي العالمي قد ذهب مختارا إلى الإعلام الإكتروني لأنه وجد فيه ما يلائمه ويرضي مطالبه، أما المتلقي العربي فقد ذهب مختارا بسبب قدرته على امتلاك أحدث التقنيات والتعامل معها بسلاسة، كما أنه من زاوية أخرى ذهب إليها مجبرا أيضا تحت ضغط الرقابة الشديدة المطبقة على المادة المكتوبة والمنشورة والمذاعة، الأمر الذي يدلل على بقاء سقف الحرية الإعلامية على الأقل منخفضا دون أدنى تغيير يساير الانفجار المعرفي الحاصل وثورة المعلومات والتكنولوجيا.
هذا كله يقودنا إلى خلاصة هي أن إعلامنا التقليدي بجميع قنواته مهدد من قبل تكنولوجيا العصر، وان هذا التهديد يمكن مواجهته بأمور عدة لاشك يأتي على رأسها توسيع هامش الحرية – حرية الرأي والتعبير والحصول على المعلومة – إضافة للاهتمام أكثر وأكثر بالمحتوى الإعلامي المقدم للجمهور فالجمهور اليوم ليس هو جمهور السبعينيات المجبر بمتابعة قناتين أو خمس وقراءة جريدتين والاستماع إلى إذاعة واحدة، لقد تدفقت تحت جسور الإعلام مياه كثيرة حملت معها تغييرا جذريا في كل شيء ، ومالم تعتني الوسائل الإعلامية بجمهورها وبمتطلباته فان لديه خيارات لا حدود لها ..وهو رابح بلاشك، لكن من هو الخاسر الأكبر؟


ayya-222@hotmail.com