قبل عشر سنوات لم أكن أعرفه، ولكن الأقدار شاءت أن يرتبط بأسرة الاتحاد الرياضي فيما بعد إلى أن انتقل إلى جوار ربه أمس· قبل عشر سنوات كنا نبحث عن مترجم من الإنجليزية إلى العربية لتزويد الاتحاد الرياضي بالمواد الرياضية العالمية بعيداً عما تبثه وكالات الأنباء· واقترح لنا بعض الزملاء بالأقسام الأخرى في الاتحاد عدداً من الأسماء من بينهم مكاوي الخليفة الذي يعمل بإدارة الإعلام الخارجي بوزارة الإعلام، مؤكدين أن بوخليفة هو أنسب الأشخاص لتلك المهمة، فهو متمكن في اللغة الإنجليزية من خلال عمله لسنوات سفيراً للسودان في عدة دول، ناهيك عن دماثة خلقه وإخلاصه وتفانيه· وقالوا إن المشكلة الوحيدة إنكم تريدون التعاون معه فوراً، في حين أنه يقضي حالياً إجازة سنوية في السودان· وقلت بالحرف الواحد، إن شخصية تملك مثل تلك المواصفات تستحق أن ننتظرها· وبالفعل عاد بوخليفة من إجازته وانضم لأسرة الاتحاد الرياضي فكان طوال تلك الفترة نموذجاً في الأداء المتميز والتعاون الرائع مع زملائه، ودماثة الخلق، فتحول من مترجم متعاون الى قوة مهنية نعتز بها بعد أن بات أحد الزملاء الأكثر تميزاً في الاتحاد الرياضي وكنا نناديه دائماً بـ سعادة السفير احتراماً وتقديراً· وقبل شهور، غاب بوخليفة وهو الذي عّودنا على الالتزام، وكان من الطبيعي أن نسأل عن ذلك السبب الذي حال بينه وبين استمتاعنا بحديثه الشيق وأدائه المتميز يومياً·· وكم كانت الصدمة عندما علمنا أن بوخليفة ما كان ليتخلف عن موعد، لولا ذلك المرض اللعين الذي أصابه، وانتظرنا شهراً بعد شهر، لعله يتجاوز محنته ويعود إلينا سالماً معافى مرة أخرى· وعاش بوخليفة أياماً وليالي عصيبة وهو يجاهد من أجل أن يتجاوز المحنة، وقبل يومين جاءني الزميل علي سيد أحمد، الذي كنت أسأله يومياً عن حال بوخليفة ، وقال لي هناك أخبار سارة قد ترفع معنويات بوخليفة وتعينه على الصمود أمام المرض اللعين، لقد تقرر إعادة عدد من الدبلوماسيين السودانيين السابقين الى الخدمة ومن بينهم مكاوي الخليفة، وهذا يعني أن بوخليفة قد يعود سفيراً مرة أخرى في الأيام المقبلة· ولم يمهل القدر بوخليفة للعودة سفيراً، فقد جاءتني مكالمة الزميل عبادي القوصي لتخبرني بنبأ وفاته، وهو الخبر الذي وقع علينا جميعاً كالصاعقة، فبرغم قسوة المرض وآلامه، إلا أن أملنا كان كبيراً في أن بوخليفة سيصمد، وسيتجاوزه لما عهدناه فيه من قوة الإرادة والقدرة على مواجهة التحديات· لكن إرادة بوخليفة انهارت أمام المرض اللعين، ليودعنا في هدوء، كما كان طوال معرفتنا به، أشبه بـ النسمة الرقيقة ، فلا أذكر يوماً أنه كان على خلاف مع أحد، حتى لو كان الأمر يتعلق بناديه المفضل الهلال السوداني· رحم الله بوخليفة رحمة واسعة وأدخله فسيح جناته، فقد كان سفيراً لـ دماثة الخلق ·· وسفيراً للشفافية، وسفيراً للزمالة الحقة والاخوة الصادقة· و إنا لله وإنا إليه راجعون ·