صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

العمود الثامن

مذيعون بلا حدود··
الذي كان يشاهد مذيع القناة السورية، في خطابه الثورجي وكلماته المضخمة الملغمة وصوته الجهوري ونظراته الحادة الثاقبة، يعتقد أنه الذي يحكم سوريا، وأن الناس تنتظر طلته ووكالات الأنباء العالمية وقنواتها متحفزة لخطابه الذي سيلقيه هو، لا الرئيس السوري بشار الأسد الذي ظهر قوياً في الحضور وفي القرار، كان متماسكاً واعياً، ولاغياً كل حسابات الحرس القديم وخطابات الحماسة والوحدة التي لا يغلبها غلاّب، كان خطاباً عقلانياً وواقعياً في مجمله وأغلب تحليلاته، زايد عليه المذيع حتى كاد أن يقوّله ما لم يقله، بعض المذيعين يضجرونك وهم ينقلون وقائع صلاة الجمعة أو حين يوصفون وصول أحد الزعماء متابعين موكبه من مدرج أرض المطار إلى مقر إقامته في قصر الضيافة العامر أو حينما تبتلى بمذيع يطعم مرارة حلقه ومكلف بنقل حي ومباشر - ولا أدري هنا لماذا يصر المذيعون على أن تأتي مترادفة رغم أن الواحدة تغني عن الأخرى، كأن تقول مثلاً أن الجو اليوم حار وساخن- لاستعراضات الاحتفال بالعيد الوطني والذي في العادة يستمر ثلاث ساعات، شوف الملل والمط واللت والعجن والطحن وكله بلا فائدة غير الجعجعة·
هناك مذيع ما إن يظهر على الشاشة حتى تقول يارب الطف واستر، فهو لا يظهر إلا في حريق أو كارثة إنسانية أو تحطم طائرة فوق جبال الأنديز أو زلزال بقوة 8 ريختر، وجه لا يبشر بالخير أو بزيادة في الراتب للمواطن المنكوب، مذيع آخر مثل محواث الضوء شكل وجهه وعينيه وصوته مثل الحيوانات القارضة، ينبش المشكلات وينبر عن المكائد والمصائب، قليل ما ودع مشاهديه بأمل أو بشمعة صغيرة قد تضيء الطريق الطويل، وقليل جداً بل نادراً ما جعل ضيوفه يخرجون متصافحين·
وهناك مذيع في العراق حين يظهر يتعوذ المشاهدون من إبليس فهو لا يقرأ إلا القرارات الجمهورية الغاضبة، وقد ينطق بإعدام ثلة من المواطنين الفاسدين·· أذناب الإمبريالية·· وأتباع الحية الرقطاء·· ممن خانوا الوطن وسيدي القائد المهيب يقولها وهو في كامل أناقته، بربطة عنق حريرية حمراء ومنديل جيب وشنب مصبوغ، حتى أنه وبعد ربع قرن من حكم صدام تحول شكله الصِدامي إلى أن يكون مثل هيئة صدام·
أتذكر في الصباح الباكر دائماً صوت مذيع منتفض تسمع حشرجة التبغ تخرج من صدره، ورجفة العظام تكاد تفضح صوته، لم يبق إلا أن يبدأ الإرسال بعبارة: أيها السادة المرتعشون·· السادة المستمعون الكرام صبااااااااح الخييييير·
وهناك مذيعة حولت مرة الصواريخ القاصفة المدمرة جو/ جو إلى صواريخ ألعاب أطفال جوجو أو حوحو، والمذيعة اللبنانية تصبح الدبابة في لسانها وكأنها مسكة أو سكر عدن، فالدِّبابِة التي تنطقها المذيعة تشعر أنها أخت الثلاجة البيضاء التي في مطبخ بيتها·
أما أظرف المذيعين في العالم، فهم مذيعو نشرات الجو وأحوال الطقس، فهم في أوروبا وأمريكا عادة ما يكونون متخصصين، وأعرف واحداً فرنسياً مشهوراً، كان ينتقل على دراجة نارية، لكن كل فرنسا تشاهده، فمثل هؤلاء المذيعين هم أصدقاء للمشاهدين، عندنا طبعاً كله صابون ومذيعات أحوال الطقس بنات جميلات بالبنطلون·
ومرة أعتقد أن مذيعاً مختصاً بأحوال الجو وتقلبات الطقس كان اسمه رعد غيث عجاج الرياحي·· أو شيئاً من هذا القبيل·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء