يتحدثون عن المرأة وحقوقها، يحللون ويفصلون، وقد فاض الوعاء بالزبد، وما قذفته البحار الهائجة من بقايا ونوايا ورزايا. يتحدثون عن حرية المرأة، ومن يتصدى لهذا الهم هو الرجل. ونقول فاقد الشيء لا يعطيه، فالحرية ليست وردة تهدى لمن نحب، ولا هي فستان عرس أبيض يقدم لمن نريد أن نقترن به، الحرية أصعب منالاً، وأعسر مآلاً، وكل شعوب الدنيا التي سبقتنا والتي تلتنا، ناقشت وحاورت وتداولت وأشعلت حروباً، ودارت معارك، ولم تزل الحرية، بمعناها الحقيقي، ضرباً من الخيال، لماذا الأنانية الفردية تقف عقبة كأْداء أمام أي رغبة بشرية للخروج من شرنقة الانكفاء والاكتواء، أي رغبة بشرية من أجل الحرية تصدها نوازع مضادة ذكورية في أغلب الأحيان وأحياناً أنثوية لأسباب شتى أهمها النزوع إلى الضعف كونه خير وسيلة لذوي الإرادات المحطمة اجتماعياً ووراثياً. فالرجل يكافح وينافح ويناطح “شفوياً” من أجل حرية المرأة، لكنه في لاشعوره يختزن كمية هائلة من النزعات الأنانية، ما يجعله يردع أي تحرك أنثوي من أجل الحرية. الرجل الذي يريد الحرية للمرأة يريدها مفصلة على مقاسه وعلى حجم تطلعاته وعلى مساحة من وعيه بأهمية أن تظل الفريسة قابعة في القفص، حتى وإن رُصِّع ذلك القفص بالذهب والفضة. المرأة تريد الحرية أيضاً على مسافة قريبة من الإرث القديم، تريد حرية لا تجهدها ولا تستنزف قدراتها التي تميزت بها على الرجل، والتي هي سلاحها لاستقطاب ما تريد استقطابه من مشاعر وأحاسيس. المرأة تريد حرية تعادل أنوثتها وتقاوم رجولة الرجل، تريدها حرية لا توازي حرية المجتمع، ونهضته وتطوره، المرأة تريد حرية بلون السماء ومرونة الماء وبرودة الثلج، المرأة والرجل وبكل صراحة لا يريدان مضمون الحرية بقدر ما يسعيان إلى شكلها، حفاظاً على الإرث التاريخي الذي يمتلكه كل منهما. المرأة والرجل متضادان متفقان في آن واحد على مفهوم الحرية، متضادان عندما تمس الحرية أو تتقاطع مع حرية الآخر، متفقان عندما تتفق الحرية مع أنانية كل منهما، ولو فكر كل من الرجل والمرأة في الحرية لمطلب إنساني شرعي وحقيقي، لو فكرا في الحرية كحاجة ماسة لإثبات الوجود الجمعي لا الوجود الفردي، لو فكرا في ذلك، لما تعالت الصيحات وارتفع الصراخ وذهب المضمون جفاء كالزبد. لو فكر الرجل والمرأة في أن الحرية هي عمل وطني والتزام أخلاقي ومسؤولية إنسانية من أجل نهضة البشرية ورقيها وسموها من براثن الأنانية والسطحية والمزاجية، لو فكر الرجل والمرأة في الحرية كمطلب من أجل إثبات وجود مجتمع لا أفراد، لأصبحت هذه الحرية أقرب إلى الواقع منه إلى الخيال، ولكن هل نستطيع؟. ربما، ولكن بعد حين من الدهر، وبعد أن نتخلص من كثير من شوائب عصور ودهور وكسور لم تزل تحتل الوجدان البشري بقوة. علي أبو الريش | marafea@emi.ae