صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

بين الصمت والدمعة

للصمت أشكال متعددة وعند بعض الشعوب يشكل ثقافة، حتى ان بعض الشعوب كالمكسيك مثلا تخصص يوما للصراخ كاحتفال بكسر الصمت وتفريغ الضغوط الحياتية.. والصمت يعتبر أيضا كلام بالرغم من عدم تحريك اللسان أو تحريك الأصابع وترك القلم يجري بمداده على الورق.. هناك صمت الحكماء وصمت الأطفال وصمت العشاق وصمت الحزين. الحكيم يأتيه الصمت بعد رحلة طويلة من البحث والمعرفة والتجريب لهذه الحياة والتأمل في الطبيعة وما وراء الطبيعة. الصمت بالنسبة للعاشق هو لحظة التجلي بتأمل وجه وقلب وكلام وإشارات وكل تفاصيل الحبيبة، هو الإمعان في التفكير والانغماس في روح الحبيبة حتى الوجد والشغف الذي يشل اللسان. الصمت بالنسبة للحزين هو الشعور الذي يسري في كل الجسد حتى يحيل كل حركة منه ذات دلالة عن الحسرة. الصمت بالنسبة للطفل هو البهاء العظيم والتمازج الكبير مع طبيعة السكون، مع نسمة الهواء حين تمر جاعلة نبضات القلب تدق بفرح.. وفي عيونه تلمح براءة الكون وهي في بريقها الآسر. ??? في كثيرا من الاحيان لا تنفصل الدمعة عن الصمت، وتصير تميمة له حين تهل من اخاديد التاريخ العظيم، من الذكريات ومن التفاصيل التي ترتسم في المخيلة وتمر كشريط سينمائي يحمل سيرة العمر بكلمات وافعال ومواقف، بحب، بحزن، بفرح يعانق السماء، بجنون يهب كريح متمردة على كل شيء يقف أمام الفرح في الحياة، ريح متمردة على كل القيود التي تكبل الجمال وتقود الانسان إلى الموت في الحياة. عندما تهل الدمعة مبللة الرموش والخد، تغتسل الروح وتعيد الأفكار اتساقها ويتحقق للشرايين أكسجين نقي.. فلولا الدموع، لتحجرت العين، وكذلك القلب، لذابت أرواحنا في كومة من الاسمنت، حيث تجرفنا عقدنا وأثقالنا من أفكار ومبادئ وقيم، بين التشتت والتناقض والخوف وإلغاء المنطق في قياس الأشياء والمواقف والأفعال. في البكاء الأول، بكاء الطفولة ينساب الدمع دون ترقب أو حذر، هكذا ينسكب كأنه من نبع بكر يرسل الحياة إلى شرايين الأرض، حيث ذاتها الدموع ترسل الحياة إلى شرايين الروح، أما الشوائب ترسلها خارجا، خارج القلب. في البكاء الأول تتربى العين على الصفاء ويبعد الخوف من فعل السلوك الجديد والانفتاح على الأشياء. في الحياة يأتي البكاء بين فترة وأخرى، يطل على العين من ماضي الذكريات المؤلمة أحيانا ومن السعيدة التي فقدناها أحيانا أخرى، ويأتي من التأمل الدقيق والعميق في واقع الحال، حيث تصفو المشاعر إلى أقصى حد من درجات الشفافية والمصداقية في الحوار مع النفس. وهناك دموع غزيرة قد سالت أيضا من عيون عظماء وحكماء وقادة مشاريع عظيمة غيرت وجه الأرض إلى ما فوق المنطق والإدراك. ذلك لأن الدمعة عندما تهل كثيرا ما تعني أن صاحبها ذو شعور مرهف وقلب كبير ووعي يتسع لإدراك الجمال في الحياة.. فالبكاء من شيم الرجال أيضاً. أما العيون المتحجرة التي لا تعرف معنى أو كيف يهطل الدمع، فهي من شيم أولئك الذين جف البريق من أرواحهم وأنفسهم وتوقفوا عن إعادة حسابات حياتهم ومراجعة وتصحيح بوصلة العمر، كي تتماس مع بهجة الحياة التي تستحق منا أن ننشغل كثيرا بتطهير أرواحنا وقلوبنا كي نقدر على احتضان البهجة. saadjumah@hotmail.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

عن الأرض

قبل شهر

المكان.. والحب

قبل شهرين

كي نشعّ نوراً

قبل 4 أشهر

الكلام

قبل 5 أشهر

انكسار الأمل

قبل 5 أشهر

متاهة الغربة

قبل 7 أشهر

أشياء الفنانين

قبل 8 أشهر
كتاب وآراء