صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

عصاب الكورونا

علي أبو الريش
استماع

من مدينة أوهان الصينية، مدينة الإبداع الصناعي، خرج المارد اللعين، ليرهب، ويسغب وينكب، وينهب، ويغضب، ويسكب جام حنقه، وحنكه على العالم، حتى أصبح في الفكر البشري عصاباً قهرياً، ينال من القلوب، ويعطب الدروب، ويسد رئة العالم، بحيث لم يدع شارعاً، ولا زقاقاً، ولا بيتاً، ولا غرفة، ولا مكان عمل، إلا وأرعشه، وأرجفه، وجعل الناس يكمّمون الأفواه، ويغلفون الأيدي، بأكياس، تمنع حدة الغضب الكوروني.
اليوم لم يبق مكان في العالم، إلا وتوجد فيه تلك المادة الفيروسية التي لا ترى بالعين المجردة، تحيك حبائلها العدائية ضد البشر، وتسفر عن قوة الطبيعة التي لا قوة تضاهيها، ومهما تعالى الإنسان، وتجبر وافتخر بما لديه من قدرات فائقة، إلا أن مجرد كائن أضأل من ذرة الغبار، يستطيع أن يهز أركان العقل البشري، ويحول العالم إلى ثكنة، تحتشد فيها كل الطاقات، والقدرات والإمكانيات، لمواجهة فيروس عديم الحيز! واليوم الإنسانية أمام امتحان، وسوف يفصح عن مدى وعي الإنسان بأهمية التعاضد، والتلاحم، والتعاون، وكبح جماح التعالي، والغطرسة، وكسر حدة التفوق الوهمي، ونبذ الفرقة، وبذل كل ما بوسع البشر من أجل الوحدة، والخروج من شرنقة الأنانية، واستدعاء الوعي، من أجل عالم يسكن خيمة واحدة، والإيمان بأننا أبناء الأرض، وأن هذه الأرض خيمتنا المشتركة.
ورب ضارة نافعة، فهذا الفيروس الضئيل، يكشف عن ضعف البشر وضآلة عقلهم، إذا ما تواروا خلف أفكار التضخم الذاتي، والعنجهية، والانسحاق تحت عجلات العقل المنطوي، والفكرة المغللة بالأنا والذاكرة المغشوشة بصور تاريخية أشبه بالنفايات.
كورونا استطاع أن ينبه الإنسانية بأن الفرد منا يمتاز بالتفرد، ولكن في داخل كل فرد هناك أفراد آخرون، ولهذا فمهما بلغ بنا التكبر، ونسيان طبيعتنا، فإنها لابد أن تعود إلى فطرتها، ولابد أن نعي أننا لا يمكن أن نغادر منطقة الوحدة البشرية، ومن يفعل غير ذلك، فمصيره الزوال، والتلاشي، والانتهاء إلى عدمية مريعة.
هذا الفيروس كشف أن الكثير من الدول التي ادعت القوة، وتبجحت، أصبحت اليوم أمام الواقع الأليم، تكافح ضعفها، بإمكانيات أقل شأناً من فيروس، لا يرى بالعين المجردة، وهذا يدعو الجميع ويشير بالبنان الواضح، والصريح، أنه لا مناص من الإيمان بأن قوة الإنسانية بتضافرها وانسجامها، واعترافها، بأن القوة، هي قوة الضمير، عندما يوقظنا من خطورة الأنا، وشدة بأسها، ولا قوة، إلا قوة الشفافية، التي تجعلنا، كالأنهار، نغسل أحلامنا بعذوبة، أفكارنا، وصفائها.
وكما أن كورونا وباء، فإنه أيضاً دواء للنفوس التي شابها لغط، وشطط.

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء