صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

س.. ج!

لعل الجيل الأول يذكر ويتذكر شريف العلمي، ويذكر فضل الرجل الإعلامي والثقافي الريادي في زمن الفقر والإفلاس وشح المعلومات وصعوبة المواصلات والاتصالات، كنت أول مرة شاهدته في بيتنا القديم، حيث للطين دفء خاص وسكينة، ولرائحة النخل التي تجاور الجدران أنس وطمأنينة، كان في ركن منه تلفزيون بالأبيض والأسود يحمل علامة بالإنجليزي ''سييرا'' فتعلقت من خلاله ببرنامجه المميز ''سين جيم'' الذي يبث من تلفزيون الكويت، ويعاد من خلال تلفزيون أبوظبي وتلفزيون دبي، كان شريف العلمي يشبه المعلمين المخلصين أو هو شبيه مدير مدرسة ثانوية، كان دمه خفيفاً، وحضوره مسرحياً طاغياً، سريع البديهة والنكتة، طلق اللسان، كنت أنتظر برنامجه شأني شأن الكثيرين من المشاهدين، فقد كان يقدم المعلومة، ويقدم الطرفة، ويقدم الفن والموسيقى ويستضيف كتّاباً وفنانين ومشاهير يخبئهم كمفاجأة للجمهور، كانت الساعة تمضي سريعاً، وأظل أنتظره مثل غيري من أسبوع إلى أسبوع، كذا لا أخفي إعجابي بربطات العنق التي كان يلبسها أو يحضرها من بيروت، كانت أمنيتي أن أشارك في برنامج سين جيم هذا ذات يوم· انتقلنا من بيتنا القديم إلى البيت الجديد، ومعه غاب دفء الطين، وأنس مجاورة النخيل، ومعه أيضاً زاد العمر، وفي ركن منه كان هناك تلفزيون ملون، يحمل علامة بالإنجليزي''سانيو'' كنت أشاهد شريف العلمي من خلاله، وكأنه غريب عليّ، فالأشياء الملونة، تجلب الحياة، وتجلب رونقها الريّان، وربطات العنق التي كان يرتديها أصبحت أجمل، كل شيء تغير في تلفزيون البيت الجديد، ما عدا خفة ظل شريف العلمي، ومتعة برنامجه، والفائدة الثقافية التي أحصل عليها كل أسبوع· وحين امتلكت الوعي، كنت أراهن على معلوماتي وأسبق في الإجابة، وأدركت أكثر من مرة أنه يمكنني أن أفوز، ويمكنني أن أحظى بإعجاب هذا الإعلامي الكبير، غاب البرنامج قليلاً، وظهر شريف العلمي في برامج أخرى، وظهر في المكتبات كتاب سين جيم المطبوع لأول مرة، وظهر مقلدون له ولبرنامجه، لكن الرجل ارتبط في ذهني، وذهن الناس بذلك البرنامج الجماهيري المميز بضيوفه وبالمشاركين فيه مثل: الغربللي ومديحة يسري وصالح الحريبي وآخر بنظارة كان مشاكساً ولا يضحك للرغيف السخن، نسيت اليوم اسمه· جاء شريف العلمي، وعمل برنامج سين جيم من تلفزيون أبوظبي، لكنه لم يكن حيّاً مثل برنامجه القديم، فضاع مني حلم الاشتراك في البرنامج الذي كنت أتمناه دائماً، ثم قدم شيئاً مماثلاً في تلفزيون دبي، وعمل برامج إعلامية أخرى للكويت ودول الخليج، وربما تحول إلى منتج، وربما ما عاد يعرفه الجيل الجديد في الكويت والخليج، وربما أن أحداً كسر دمعة في عينيه، حين تغير الزمن، وتبدل الحال· التقيت بشريف العلمي في أبوظبي ولندن وعمّان وربما القاهرة، واشتريت كتب سين جيم المطبوعة والتي تجاوزت 10 أجزاء، وبطبعات مختلفة، لكن ليس مثل الكتاب الأول والبرنامج الأول في البيت الأول· آخر مرة رأيت شريف العلمي الذي كان يشبه معلماً من الطراز القديم أو هو على شبه مدير مدرسة ثانوية، وقد خان به الجسد، ونحف الكرش الذي كان يباهي به في برنامجه، ويضاحك الآخرين ممن عندهم مثله، يومها كان لسانه بطيئاً وحركته بطيئة ويستند على أحد، فحزنت بعمق ذاك اليوم، وانكسرت عيني وهي تراه، وظلت ذاكرتي لا تريد أن تحمل صورة أخرى غير صورته الباهية، القديمة بالأبيض والأسود في تلفزيون''سييرا'' في البيت القديم· شريف العلمي·· ودعنا في هدوء، وكان علينا أن نتذكره دائماً، لأنه علّمنا وأفرحنا وأسعدنا، لكن الرجل آثر الصمت، وانسحب أخيراً من المشهد، تاركاً الـ''س'' بلا ''ج''·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء