الخيال هو القوة الذهنية التي نسترجع بها الأشياء، ولذلك فهو يعتمد على الذاكرة في عمله، وذلك إلى الدرجة التي جعلت البعض يرون في الخيال عملا من أعمال الذاكرة، لكن الخيال لا يقتصر دوره على الاستعادة فحسب، وإنما يجاوزها إلى التركيب أو التأليف، حين يأخذ من عناصر الواقع التي تتيحها له الذاكرة ما يضعها في أشكال جديدة، ليس لها وجود سابق، وهذه هي الوظيفة الإبداعية للخيال، لكن مهما كانت ابتكارات الخيال فإن عناصر هذه الابتكارات أو مادتها الأولية موجودة في الواقع، والجديد فيها هو العلاقات التي يخترعها الخيال فيصل بها بين ما لا يتصل في الواقع، ويوجد بها ما ليس له وجود مادي ملموس. هكذا اخترع الخيال الإنساني صورة الحب في شكل كيوبيد، ذلك الكائن الطفلي الرقيق الذي يحمل بين يديه سهما يصوبه على من يوقعهم القدر في مرمى سهامه، فيقعون أسرى سهام الحب. وعلى النقيض من كيوبيد شخصية الشيطان التي تفنن الخيال الجمعي للبشرية، خصوصا بعد ظهور الأديان، في اختراعها وتعديد أشكالها، وقل الأمر نفسه عن نقائض إبليس من الملائكة والحوريات والعفاريت الطيبة والشريرة وغيرها من مخلوقات الخيال الجمعي التي تتجلى بأقصى طاقتها الإبداعية في أساطير الشعوب البدائية قبل نزول الأديان، وهي أساطير تقوم على شعائر تبريرية، ترتبط بالظواهر الطبيعية كفيضان الأنهار، أو مقدم الربيع، أو زمهرير الشتاء إلخ.. أما الخلق الفردي للخيال فيتجلي في إبداع مخيلة الأدباء والفنانين، حيث العمارة والنحت والرسم والموسيقى، فضلا عن الملحمة ثم الشعر والرواية والمسرح، وهي أعمال خيالية بامتياز، أبدعتها المخيلة الابتكارية لخيال المبدعين الأفراد الذين أطلقوها، وتركوها زادا لا ينضب للإنسانية في كل مجال، وهل هناك من ينسى شخصية أليس في بلاد العجائب أو السندباد البحري أو شهرزاد أو رستم وسهراب أو أوليس وهيلانه وأجا ممنون فب الشهنامة أو الإلياذة؟ ولكن مهما أبدع الخيال الفردي وصاغ، فإن إبداعه لابد أن يتسم بصفتين متوازيتين، تنطويان على نوع من المفارقة التي تلتبس على بعض العقول. الصفة الأولى أنها إبداعات ليست واقعية، حتى وإن كانت تفاصيلها مأخوذة من الواقع، وثانيها أن هذه الإبداعات يمكن أن تخايل المتلقي بواقعيتها، فيعاملها على هذا الأساس نتيجة براعتها في الإيهام، لكنها ليست كذلك، ولذلك فإن القاعدة النقدية السليمة هي أهمية التنبيه على عدم ضرورة الخلط بين الواقع والخيال الفني في الرواية أو المسرحية أو الفيلم، مهما تزايدت درجة الإيهام، أو توهم القارئ تطابقا بين العمل الخيالي، وهو الإبداع والفن وربما كان من الأفضل في مثل هذه الحالات التنبيه على أن العمل الإبداعي يوازي الواقع مجازيا أو رمزيا، ولكنه لا يطابقه بحال، لسبب بالغ البساطة وهو أن العمل الذي يطابق الواقع يخرج من دائرة الفن، وذلك على النقيض من العمل الإبداعي الذي لا يمكن أن يطابق أي واقع، مهما شابهه أو أوهم بأنه يتحدث عن واقع بعينه.