صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

«جالسين في البيت»

ناصر الظاهري
استماع

«صكّ الدّعَنَة.. وقَرّ في البيت.. ما لك حَايّه في الخَارّي.. آه.. ها والظهرة برع، إيّاني ويّاك»، تلك الحكمة المنزلية القديمة التي كان الأهل يسمعوننا إياها في ذلك الزمن البسيط والجميل، كلما حانت القائلة أو أذّن المغرب، مع شيء من أفلام الرعب بالأبيض والأسود، بتظهر لك «حمارة القايلة» أو «بتكفخك ينّية» أو بتأخذك «أم الصروم»، تذكرناها في أيامنا العصيبة هذه أو استذكرناها من طفولتنا «المعذبة»، فأمر المكوث في البيت ومقابلة أهل البيت و«الحكرة» في البيت، وتقليب محطات التلفزيون المملة، ولزوم مشاهدة أفلام الرسوم المتحركة غصباً عنك، والسيل المنهمر مما تتلقاه عبر الوسائط، وكلها تدور حول موضوع الساعة، وتداعياته الكثيرة والمتقلبة، وعدم القدرة على التركيز على شيء، لا شك كلها أمور تحتاج صبّر أيوب أو صبّر أمهات من وقت وتعب، أما نحن الرجال فنقول مثل الذي «موَرّي تحته حطب»، لا ندري أين نُقَبّل بوجهنا، فلا نجد خاصة نحن جيل المخضرمين إلا الهروب بتفكيرنا إلى مرحلة الطفولة مستذكرين ألعابها وشقاوتها، ويحاول الواحد منّا أن يعلم أطفاله من الملل بعض ألعابه الطفولية المنتهية، فلا هم يستسيغونها، ولا هو قادر بعد سمنة العمر أن يأتي شيئاً منها، فتصبح الألعاب وهو مصدر تندر من أطفال اليوم، ويحاول في فترات الاستراحة أن يجر وتر الربابة، وينشد لهم من كلامه القديم الذي لا يعني لهم شيئاً، لكنه يطرب خاطره، وخاطر مجايليه، فيتندر عليهم، قائلاً لهم: «لأول ما يواحي للخلالة أو التمرة تطيح من النخلة، إلا ونتلاقفها ونصرطها، لا غسال ولا تطهير أيدي، أقصاها.. أقصاها ودّنّاها في الفلي، وهذاك سيرنا، ما نخلي همباه ما نعسفها، ولا لوميه ما نخرطها، ونتم نتدابج طول اليوم، ما نخلي مقحمة ولا حظار إلا وتخطيناه، اليوم لو واحد منكم من هذا الجيل الجديد تشكّه شوكة في رجله، والله ما يعرف شو يسوي، غير الصريخ، وأمي لحقيني، لين تعمل عليه رجله وتنتفخ، جيل اليوم يروم يخاوش نفتة الدِبْيّ، والله لو تلدغه ذيك الدبيّة الصفراء، يمكن يغمى عليه إذا شاف وجه وارم»!
أنا وجيل المخضرمين بعد تلك الوصلة المحلية من ما لا يطلبه المستمعون، كنت كمن يحادث نفسه في المرآة، فكل الأولاد منطمسة أعينهم في «الآيباد» ويتصارعون كيف يسلكون تلك الطرق الرقمية، وعالم الوهم الافتراضي، ويطلقون نيران الأشعة الليزرية على كائنات خرافية تتقافز أمامهم، وعداد النتيجة يحسب حتى يصل إلى جملة «جيم أز أوفر».

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء