كنت عند إحدى محطات تعبئة الوقود بالقرب من غنتوت في طريقي إلى دبي، عندما توقفت سيارة فارهة للتزود بالوقود، وطلب سائقها من عامل المحطة تعبئتها، وغادر مركبته باتجاه الاستراحة برفقة فتاة شقراء كانت تجلس إلى جواره، وشاب دلف من المقعد الخلفي، وكان الشابان يرتديان «شورتات وتي شيرت كت» ويعتمر كل واحد منهما قبعته، كما لو كانا في طريقهما الى نزهة بحرية في ذلك الوقت المبكر من الصباح. كان قائد السيارة مفتول العضلات، رياضي البنية، وقد غمر كتفه وذراعه الأيمن وشم من تلك الأوشام التي تميز البحارة الذين يجوبون موانئ العالم، وكذلك لاعبي المصارعة الحرة. لم يباغت العيون الفضولية التي كانت تلاحق الثلاثة شيء، قدر تعليق من عابر سبيل في الجوار «تصدقون هذيل مواطنين؟»!!، صاحب التعليق الاستنكاري، تلقى سؤالاً سريعاً «وكيف عرفت؟، فجاءه الجواب أسرع «عرفتهم» من الرمسة»، زمّ الأول شفتيه مواصلاً استنكاره واستهجانه ليس للمشهد، وإنما لذلك الوشم الكبير، والذي تبرز تفاصيله من بين عضلات صاحبه. مرافقو صاحب السؤال الاستنكاري، استنكروا عليه توقفه فقط أمام الوشم دونما سائر تفاصيل اللقطات السريعة التي رصدتها الأعين الفضولية، ليحتدم جدل واسع بين أطرافه حول الحرية الشخصية، والمظهر العام والهوية الوطنية، ولماذا استغرق منهم الوشم كل هذا الجدل، دون غيره من بقية تفاصيل المشهد؟، هل لأنها أول مرة بالنسبة لهم يرون شاباً يعتبرونه «منهم» بهذه الصورة، أم أنها غيرة «أكثر من اللازم» على صورة شباب بلادهم؟، وهل الصورة الجادة والرصينة التي يريدونها لهم تفرض أم تكتسب؟ تجرعت قهوتي، وحملت الجدل المتواصل معي حتى وصلت «دار الحي»، وعلى طريق الإياب الى العاصمة، ولم أتخلص منه حتى سكبته مداداً، تتقافز من بين سطوره حبراً يترع بذات علامات التعجب من أمر قد يراه سواد عظيم من الناس عادياً للغاية، وبالأخص في زمن المدن والدول «الكوزموبوليتانية»، وفي زمن العولمة، وتلاقح الحضارات!!. ولكن لماذا لا يرى البعض منا من كل هذه العوالم المتداخلة والمتلاصقة سوى القشريات والطحالب؟ أثار الوشم أوجاعاً ومواجع عدة، وطفق أحدهم يفلسف الأشياء، وينبش في الماضي من هنا أو من هناك، وحلق في مدارات حول أول من ابتكر الوشم والوسم، وقد كان للعرب السبق في وسم الأشياء. وأهل الغرب كان لهم أيضاً مبادراتهم، حتى استقر الأمر الى هذه الصورة من «التاتو» الذي أصبحت تقام له المسابقات حول أكثر من غمر الوشم مساحات واسعة من جسده للجنسين. بعض هؤلاء لا تكاد ترى سوى عينيه !!. وأثار آخر تساؤلًا مغايراً حول ما إذا كان هؤلاء الشباب أجانب، هل كان حديث الفضول سيجرى على ذات المنوال، أم أنه كان سيتخذ منحى آخر، وكان صاحب السؤال الاستنكاري، قد طرحه في اتجاه ثان يتعلق بحاجة هؤلاء الأقوام لمن يوعيهم وينبههم إلى احترام عادات وتقاليد هذا المجتمع الذي يعيشون فيه، وبالأخص عندما يتواجدون في الأماكن العامة. أما ثالث «الفضوليين» فقد استذكر مقولة كانت ترددها جدته لأمه، وهي له ناصحة «يابني» «كل ما يعجبك، والبس ما يعجب الناس، وكن عند العربان حشيماً»!!.