فُتنت مبكراً بأغاني السيدة «أم كلثوم»، فلم أكن قد بلغت الحادية عشرة من عمري عندما سمعت والدتي تقول لأبي معاتبة: «أنت السبب»؛ فأمي أكيدة أن غرامي بما تقوله «الست» سببه وراثي. كنت على قناعة أن لا أحد يمكنه أن يكتب تلك الكلمات التي تغنيها، وكل ما حدث، أن الملحنين أو «وأم كلثوم» كانوا قد عثروا عليها مكتوبة على ورقة مخبأة بقنينة زجاجية تائهة في عرض البحر؛ ورغم وعيي فيما بعد بأعمال من غنت من كلماتهم كشوقي وحافظ وعبدالله الفيصل، ومن كتبوا لها كرامي والتونسي، إلا أني أخذت زمنا طويلا حتى استطعت أن أخرج من عنق القنينة سارحة في براح ما تقوله «الست». أجد نفسي في قمة الانبهار من أي عمل يستطيع وصف مشاعر مجهولة لم تجرب بعد، أو تطرق لعلاقة غير معتادة، أو رسم أشخاص لم نقابلهم؛ ومن تعاونت معهم «الست» برعوا في ذلك، كوصف المشاعر والأشخاص والعلاقات كما فعل الشاعر السوداني «هادي آدم» في أغنية «أغدا ألقاك» بقوله «آه من فرحة أحلامي ومن خوف ظنوني» فتساوت عنده الآهة الناشئة من الفرح والخوف من اللقاء المنتظر؛ وعندما شَدت «ام كلثوم» بكلماته في وصف من تنشد لقاءه: «هذه الدنيا كتاب أنت فيه الفِكَر، هذه الدنيا ليال أنت فيها العمُر، ..، هذه الدنيا سماء أنت فيها القمر»، ملكت قدرة لا متناهية على وصف ما يمثله الآخر في حياة المُحب. ومن الحب والحبيب إلى وصف اللقاء كما كتب «احمد شفيق» في أغنية أمل حياتي: «إيه من الأماني ناقصني تاني وأنا بين ايديك؟»؛ وكتب مرسي جميل: «للناس دنيتهم واحنا لنا دنيتنا، وإن قالوا عن عشاقه بيدوبوا في نار أشواقه.. أهي ناره دي جنتنا» في أغنية «ألف ليلة وليلة». أما حالة الجفاء والبعد، فوصفها «عبدالفتاح مصطفى» في أغنية لسه فاكر: «كانت الأيام في قلبي دموع بتجري.. وانت تحلالك دموعي وهي عمري، ياما حليتلك آهات قلبي وهي.. من قساوتك انت والأيام عليّ، كنت تسمعها نغم واسمع صداها.. نار تدوب حبنا..». وفي الأطلال أعلن «إبراهيم ناجي» تمرد العاشق بقوله «آه من قيدك أدمى معصمي.. لم أبقيه وما أبقى عليَ، لم احتفاظي بعهود لم تصنها.. وإلام الأسر والدنيا لديَ»؛ كل هذا وغيره من الإبداعات التي أضافت لها انفعالات صوت «الست» بعدا أكثر عمقا، في الشوق والقرب والألم، أخرجتنا من عنق القنينة الزجاجية إلى رحابة جمال له قداسته المُهابة، جمال نشعر به، حتى لو لم نعشه. Als_almenhaly@admedia.ae