خطاب المصحة هو الوصف الذي يمكن أن ندرج فيه نصوص كتاب ''أيام الجنون والعسل'' لخضير ميري الكاتب العراقي الذي شهد أكثر مآسي الحرب الأمريكية على العراق دراماتيكية وألما، فقد كان ميري نزيل مستشفى الرشاد للأمراض النفسية والعقلية ببغداد والذي يعرفه العراقيون اختصارا بالشمّاعية· وتهيأ لميري أخيرا معترفا بتأخره أن يسجل تلك الجريمة التي ظلت ضمن المسكوت عنها في مسلسل الحرب منذ مطلع التسعينيات حتى اليوم· في مناسبة سابقة يقول ميري: ''لقد أخذتُ من الجنون كل ما ينقصني من الحرية'' تلك الفسحة التي جعلت وصفه لأيام المصحة بأنها أيام العسل، أما الجنون الذي تداوى منه، وعاد للكتابة فيصفه بأنه جنون أبيض شأن زملائه الذين يعرضون جوانب من حياتهم وسلوكهم وأحلامهم وخوفهم، ثم يرصد تلك المقتلة التي نفذتها طائرة حربية أمريكية ليل 9 /2/1991فبلغ عدد الموتى من المجانين بالقصف وبالحصار السابق عليه وبسبب نقص أو انعدام الدواء حوالي 400 نزيل بينما تشرد الباقون هلعا وهم ضعف الموتى في الأزقة والأحياء المجاورة دون رعاية· العنوان الجانبي لكتاب خضير ميري يصفه بأنه (كتابة كارثية)، نوع من الإسقاط على المكتوب بوزر ما حلَّ من كابوس بالمستشفى بعد القصف الذي يرصد مقدماته ويصف لحظته ثم يتابع آثاره· وإذا كان ميري قد أوقف سنوات شفائه التالية للكتابة عن الجنون في عدة مؤلفات فإن لهذا الكتاب (القاهرة 2008) مهمة أخرى هي كشف الجنون الأمريكي الأسود قاتل أحلام المرضى المسالمين وجنونهم الأبيض نسبة إلى أرواحهم الهائمة في عالم يصنعونه دون زيف، وميري نفسه يشرح لوحة أودعها مرسم المستشفى يطير فيها الطيار الأمريكي على بطة حديدية يقرع الطبول فوق الرؤوس بينما يمتلئ المكان بالدخان والأشلاء· إسقاطات ميري ليست تشكيلية أو بلاغية فحسب بل هي سردية يوضحها هذا الحوار: ـ حسيب، ما هو المنزل؟ ـ إنه باب يكون لك حق السؤال وراءه: من الطارق؟ إن المسكوت عنه ليس جريمة الشماعية وحسب بل خطاب الجنون ذاته ونصوصه بالضرورة، لا يجدر عادة بالمريض العقلي أن يسرد حكايته مع المرض إلا في حالات نادرة تصنعها شجاعة الكتّاب أنفسهم، وهذا بالضبط ما فعله خضير ميري الذي يشجب جرائم عقلاء تفضح جنونهم الحرب الوحشية، هنا عودة لما في التراث عن عقلاء المجانين وحكمة الجنون وإلا أين نضع ما نقله ميري عن زميل له يعرّف الوطن بالقول (هو أن تكون لك أم واحدة لملايين الأبناء) وآخر يتحدث عن الحرب التي لا تمرض ولا تموت ولا تنام! يحثنا الكتاب على استذكار قول أحد الشعراء: قد يكون للجنون أكثر من سبب ولكن ليس من سبب واحد للعقل في عالم كالذي نعيش·