''من قتل نفساً بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعاً'' كيف والحال أن يداهم راكع خاشع مسلم مسالم مستسلم مُسلم أمره إلى خالقه لم يحمل سلاحاً ولم يقف عند ثغر في مواجهة عدو·· مقتل العشرات في مسجد في باكستان يثير الفزع والجزع وينبه إلى أن هناك لوثة فكرية أصابت البعض من بني هذه الأمة برروا مقتل الأبرياء وصوروا أن جثث هؤلاء طريق إلى الجنة فانتكهوا الحرمات وسفكوا دماء المحرمات وأباحوا واستباحوا واستراحوا تحت شجرة الشرائع، وجاءوا بالذرائع فارتكبوا الفظائع والشنائع من الأفعال، وحولوا المجتمعات الإنسانية إلى ساحة حرب ضروس لا تهدأ بحال ولا تهنأ بمآل·· عندما يسمع المرء بمثل هذه الجرائم المزرية المخزية يشعر بالأذى لأن ما ترتكبه هذه الأيدي الآثمة إنما هو رسالة للعالم شوهاء تعبر عن غوغاء وتؤكد للمتربصين بالإسلام أن ما يسيل من دماء هنا ليس ظاهرة عابرة وانما هو واقع وحقيقة هذه الشعوب·· وكم مــــن الخســـــائر الفادحـــة تكبدناها إثـــــر هذه الأفعال اللا مسؤولة واللا مبالية والتي جلبت الويلات والخراب والدمار وأتت على كل ما قدمه العالم الإسلامي من حضارة وعلم وفن وثقافة·· ففي الصفحة البيضاء لا ترى إلا النقاط السوداء وهؤلاء المهرولون إلى الفراغ نسفوا وسفوا وخسفوا بالوجه الأبيض الناصع للعالم الإنساني ولونوا المشهد بخطوط سوداء داكنة وأدخلوا النفس البشرية في نفق مظلم معتم لا نهاية له· فأي جمهورية أو أي إمارة إسلامية يريد أن يقيمها هؤلاء على عظام البشرية المهشمة ودمائها المتشرذمة·· أي كيان إنساني يريده هؤلاء وهم يخرجون من كهف قميء ليدخلوا في نفق رديء ويخضبون الحياة بالدماء المسفوحة والأفكار المكبوحة والقيم المجروحة ويمارسون لعبة أفلام الرعب بوسائل متخلفة تعيدنا إلى الجاهلية الأولى، ويعبثون ويغررون ويدفعون بالسذج نحو الهاوية، والنار الحامية والضربة القاضية والتي تأتي على النسل والأصل والفصل والمفصل· أي منطق هذا، أي قوة إيمانية هذه لا تحسب حساب الأرواح البريئة التي تزهق والدماء الغالية التي تهرق والأجساد العزيزة التي تسحق والقيم التي تمحق تحت حوافر مجنونة مأفونة مسكونة بظلام الفكرة وانعدام العبرة· أي منطق هذا متبصر، أي عقل متدبر يفتي بجواز قتل إنسان لا ناقة له ولا جمل بكل ما حمل هذا وذاك فيذهب الفقير إلى الله ضحية احتقان وامتهان وامتحان يراد منه فقط التعبير عن نوازع ذاتية ورمها الحقد والتعاطي المغلوط للقيم· أي منطق بصير وفكر مستنير وعقل يحسن التدبير يقبل بمثل هذه الهوجاء والغوغاء والعشواء والدهماء بأن تقرر مصائر شعوب وأن تحتل القلوب وتحتكر الشعاب والدروب، وتفسر الإسلام على أنه دين شحوب وغضوب وأنه لا يقوى إلا بقعقعة السيوف وإشعال الحروب والإتيان بالإشراقة من غروب· أي منطق هذا·· علمونا أيها المغيبون السادرون··