يتوهجون في المطالع ويتعثرون في الخواتيم. هذه كانت حال بعض الروائيين العرب في العام 2010، أو على وجه أصح، حال أكثر الروايات العربية التي قرأتها في العام الآفل. من الروايات التي قرأتها، أغلب تلك التي تضمنتها قائمتا الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، ومما لاحظته أن بعض المؤلفين, خصوصاً أولئك المستجدين على هذا العالم الأدبي الرحب والمعقد، يكتبون مشاريعهم الروائية في أوقات الفراغ, أو في أيام العطلة الأسبوعية من وظائفهم المرهقة. وهذا ليس عيباً في الكاتب والكتابة بحد ذاته, ولكنه يكون كذلك عندما يصبح عامل الوقت هو العنصر الضاغط في مرحلة من مراحل الكتابة. فتجد المؤلف الذي بدأ روايته بما تستحق من تأن، تستلزمه متانة السرد, وتضفير الحدث في سياق ما سبقه وما سيتبعه، ومتابعة تطور الشخصيات منذ رسم ملامحها الأولى وحتى اكتمال قسماتها.. تجده وقد أصبح يكتب على عجل تحت ضغط موعد داهم, لعله إلحاح الناشر, أو ضرورة إصدار العمل في موعد معرض الكتاب, أو قبل انتهاء موعد التقدم به إلى إحدى الجوائز العربية الجاذبة بإغراءاتها. تحت مثل هذه الظروف تصبح الفصول الأخيرة من الرواية, أشبه بسباق التتابع بين الشخصيات والأحداث, هذا يسلم لجام الحكي لتلك, فتصح تلك الجملة الشهيرة التي كانت جداتنا تختم بها حكاياتهن المتكررة: “توتة.. توتة.. خلصت الحدوتة”. لكن مشكلة الروائيين هؤلاء لا تنتهي هنا. فبعضهم يبدو وكأنه يعكف على كتابة روايته وكأنها مشروعه السردي الأول والأخير. فتراه حريصاً على أن يحشد في صفحاته جل خبراته ومعارفه ومهاراته. يغالي مثلاً, في فتح مسارب فرعية للأحداث, ويجعلها مزدحمة بشخصيات هامشية وجودها لا يثري العمل وتغييبها لا يسيء إلى مفاصله الرئيسية. والأكثر فجاجة من كل ذلك, هي تلك “الفذلكات” الفكرية والفلسفية والعلمية التي يروح يبثها في السياقات, فتعطل السرد وترجئ تراكمه وتسلب من الفعل الروائي جمالياته وإدهاشاته ومفاجآته. وقرأت رأياً لأحد النقاد العرب في هذا المعنى, مفاده أن الروائي العربي، في الأغلب، ما زال حتى الآن يدفع عمله الروائي إلى النشر مباشرة من دون الاستعانة بمن يتولى التصحيح والتنقيح في مجالات تحتاج إلى اختصاصيين في الأمور العلمية أو القانونية أو الطبية الخ.. فتزدحم الروايات بأخطاء فاضحة في هذه الحقول, بالإضافة إلى أخطاء لغوية قاتلة. وهذا ما يتجنبه المبدعون في الغرب عن طريق الاستعانة بمحرر أو محررين, من طرف المؤلف أو الناشر على السواء. وفي جانب آخر من لوحة الرواية العربية المعاصرة, يبرز مشهد أكثر فجاجة. إذ يبدو وكأن أكثر المبدعين العرب لا يكتبون من أجل قارئ عربي هو في أمس الحاجة للاطلالة على قضاياه بلغته وبعين إبداعية ترى إلى ما لا يراه. بل يكتبون وعيونهم على الترجمة إلى لغات الغرب, فيعيدون رسم تصوره القاصر أو الظالم عن شرق الأساطير والغيبيات وحكايات الجن والعفاريت, أو إنهم يستثيرون فضوله بحكايات يتداخل فيها الدين والجنس وتلك الآفة التي تتصدر كل الأدبيات الغربية السياسية والإبداعية المسماة: الإرهاب. فكأنهم بما يكتبونه يضيفون إلى المنتج الإبداعي الغربي لا العربي. قبل أكثر من عقد أطلق الدكتور جابر عصفور تسمية على حال الإبداع الأدبي العربي هي “زمن الرواية”, وهي تسمية صحيحة, لكن بعد مرور كل تلك السنوات لابد من تعديلها لتصبح: زمن الرواية العربية.. الناقص, أو الناقصة.