هاتفني بالأمس رجل نبيل أصيل جليل، يريد أن يشكرني على ما كتبت حول ''جمعية عقوق الإنسان''·· قلت يا سيدي: التصدي للافتراءات على الوطن، ومواجهة الاختراقات والانثناءات والانحناءات واجب مقدس يفرضه علينا ضميرنا الإنساني، وحسّنا تجاه الوطن، ومن لا يفعل ذلك، فهو ظالم لنفسه خائن لضميره، وهو معتد أثيم· فكل فرد في هذا المجتمع أو مسؤول شريك في هذا الوطن· ولم تخسر الأوطان مقدراتها وحقوقها وإنجازاتها إلا عندما حاول البعض من أبنائها العاقين اغتصاب الحقيقة واعتناق مبدأ ''أنا ومن بعدي الطوفان''، ومعانقة الشيطان في ارتكاب البهتان، والولوج في مزالق الغي والشطط، ونسيان حقوق الوطن والتي هي أمانة في أعناقنا جميعاً، وصونها فرض وغرض بلا امتعاض أو مضض· فهذا الوطن قاربنا ووعاؤنا وحضننا وحياضنا، وكل ما يصيبه يصيبنا، وكل ريح ساخنة تهب عليه تحرق وجوهنا؛ فلا يجوز التفريط في حقوقه علينا، ولا الإفراط في الغلو وعلو كعب التحذلق والتزلق على كثبان رملية، لا يُعرف أين مبتدؤها أو منتهاها، ولا يجوز تحت أي ظرف أو ادعاء أن ندع لكل مراوغ مناور مقامر مكابر أو عاتٍ ومعتدٍ أن يمس بالكيان أو يخدش البنيان بأي سوء، لا يجوز الصمت ازاء الرياح الملوثة بالأتربة والغبار والغازات السامة أن تعكر صفو أجوائنا، وتسمم أبداننا، وتلوث أفكارنا، وتعرقل مسيرة قافلتنا، وتقف عقبة كأداء في طريق ركابنا· فالإمارات واحة لكل قاصٍ ودانٍ، وراحة خصيبة خضيبة، يستريح على صفحتها كل معانٍ· وجودها عمّ وأسمع كل من به صمم، وأبصر الأعمى، وأنطق الأبكم· فمن الظلم أن تصبح عقارب الزمن رهينة إرادات بائسة، سجينة عزائم يائسة، تتحرك بـ''الريموت كنترول'' بأصابع عدائية مؤذية، أصابع تأبطت شراً مستطيراً وأضمرت حقداً دفيناً· فربما فهم ''العقوقيون'' الرسالة خطأ، أو أنها جاءت مغلفة مغلقة مكتوبة بالخط الهيروغليفي، فلم يستوعبوا عباراتها جيداً·· نقول لهم: الرسالة واضحة منقحة لا تحتاج إلى تحليل أو تعليل أو تأويل أو تهويل·· لا تحتاج إلى تجديف أو تخريف أو تسويف·· لا تحتاج إلى معلم يقدم دروساً خصوصية· الرسالة تقول: إن الإمارات دولة عالمية إنسانية المبدأ، قبل أن يعرف البعض معنى العولمة، والإمارات امتدت بخيرها ومدت أياديها بيضاء ناصعة من غير سوء أو غرض، ولم تنتظر من أحد جزاءً أو شكوراً، وإنما فعلت ذلك بوازع من قيم أهلها، وشيم ناسها، وإرثها الذي سطره رجال أفذاذ، عبر قرون، مرتكز على مبادئ احترام الآخر والمتكئ على ثوابت العلاقة الإنسانية المتساوية بين الشعوب·· فلا يمكن لمتجاوز أن يزايد، ولا يمكن لمخاتل متحايل أن يهرق أو يسرق دم الحقيقة ليلقيها في جُبّ الكذب، ثم يأتي ليسرد القصة عن الذئب الذي قتل·· فالحقيقة هنا حية بهية زاهية مضيئة كما هي النجوم في كبد السماء· أقول شكراً لمن شكر، وتباً للذي كابر وبطر، وانطوى مأزوماً فغدر·· وقد خاب من افترى·