صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

جدلية الحياة

عام نسج حياتنا ومضى بعد أن أتمَّ رهنها إلى عام آخر. بعد أن ساد وأراد، وبعد أن مر عبر الزمن، وبعد أن ترك خصوصية ككل الأعوام السالفة. جاء في البدء حاملاً صوت الفرح المتجدد ونغمة متشابهة ترافق كل عام يطل، وصوراً أصبحت هي الأخرى من لازمات الأعوام تردد لغة معتادة ومكرورة. والسؤال نفسه يتكرر في كل عام: هل هي خطوة إلى الأمام أم أنها خطوات متكررة تعيد أحلامها فيما الحياة تدور في رحى الفضاء الرحب؟. عاد ضيف السنون وعادت معه الآهات بالطريقة ذاتها التي اعتاد الفرح أن يأتي بها أو كما عهدت الأيام طربها أو همسها الذي لا يزول، فكلما عاد العام حسب العمر ذاك الوفاء المنتظر. إنها الطبيعة البشرية.. كلما تيقظ نور تيقظ له ألف حلم ولاحت لها آمال بأن عالماً آخر بدأ، وكأن خيوطاً شمسية تنسج الكون برمته، وتلف البشر برداء السحر، وتنوس ما بين مسارات الفرح والحزن، تلوذ بالعمر حسب تجليات الحياة وتناقضاتها، وعلى كل لحن قصة ومسار: تمخر عباب البحور من مرسى الأيام إلى غياهب المجهول وترمي حملها وما تحتضن من ثقل المسافات، فما تبقى إلى العدم.. إلى النسيان. ضمن لحظات الحياة العجلة ثمة سفر تجلى، ثم مضى عبر تشابهات الصور وتباينات الحكاية التي تبدو خيالية المنبت، لها إيقاعات التاريخ، أو لعلها تحيل الإنسان نفسه إلى إيقاع آخر، إيقاع ربما يتزامن حسب نوتة موسيقية، او حسب ما تقره الذاكرة من حسابات حالمة، أو وفق ما ينسب للحظات المجردة من التاريخ، وما تسطره الرؤى المؤجلة.. كأن الأيام وصلات موسيقية تدندن على خلفية مشهد في فيلم على وشك البوح، يمضي ولا ينتهي إلا بعد حين. فالوقت يرسم بريشته المجردة تلك الحياة الدالة على الروح. والوقت المثير يوثق المسارات ويسطر الأمنيات، ويكمل اللوحة بألوان الحيثيات، ويبدو أن اللوحة لا تكتمل، لهذا يظل على الإنسان أن يغرس هنا وهناك، وعليه ان يترك للطبيعة فعلها، فإن للطبيعة حراكها في كل الكائنات، وليس الإنسان وحده من يتأثر ويؤثر بمرور الزمان ودوران الأعوام. ربما تكمن وظيفة الإنسان في اكتشاف النسق الذي يعمل وفقه الكون، وتتعاقب عليه الأعوام والأيام... فللإنسان إلهامات تدفعه في خطوط المسارات الحياتية، وليس من قبيل الصدف او العبث ان يتبدل الوقت من حوله. الجميل بأن الإنسان يعيش جدلية الحياة بكل كفاءة، فلا يخشى من القادم ولا يندم على ما مضى. تعاقب السنوات بالنسبة إليه مدعاة للفرح رغم أنه في واقع الأمر رصيد زائد يضاف الى ما يحمله الإنسان من سنوات على كاهله. فالمسار نحو الضوء مسار إلى الحق وما خلفه ليس سوى ظلام دامس مليء بعواقب العام الذي مضى، لكن لا التفات يجدي!. كلها أمنيات تعين الإنسان على العيش، على صنع حلم ما أو الحلم بصنع منجز ما... ثم تتجلى الأحلام مثل إرادة سحرية حين يأتي يوم يكون بمثابة منعطف، أو بمثابة مرآة ناصعة تنعكس على حوافها تلك الجدلية المستمرة منذ الأزل: عام يمضي وعام يدخل في حالة الوجود.

الكاتب

أرشيف الكاتب

الشعوب والوقت

قبل أسبوع

مذكرات موظفة

قبل شهر

الذاكرة البشرية

قبل شهرين

صدى العازف

قبل شهرين

أيقونات السفر

قبل 3 أشهر

الحقب الثقافية

قبل 3 أشهر

منهجية الترحال

قبل 4 أشهر

جمالية الصمت

قبل 4 أشهر
كتاب وآراء