عندما بدأت برنامج دعوة كبار المثقفين فى العالم، كان من الطبيعي أن أقوم بدعوة جاك ديريدا ليحضر إلى القاهرة، خصوصا أن حضوره العام اتسع مرات ومرات. وكنت واثقا أنه سيقبل الدعوة لحبه لآثار مصر الفرعونية التي توقف عندها في كتابه عن الجراماتولوجيا ولكني رأيت أنه من الأفضل دعوته بعد ترجمة كتابه، فكلفت الدكتورة منى طلبة وزوجها الدكتور أنور مغيث للقيام بترجمة الكتاب عن الفرنسية، حالما بصدور الترجمة العربية، ودعوته بهذه المناسبة، الأمر الذى سيتيح قراءة الكتاب بالعربية للمرة الأولى، والحوار مع الرجل حول القضايا الذى يثيرها كتابه العمدة. وعندما أخبرنى المترجمان باقتراب موعد الفراغ من الترجمة، قمت بالاتصال بجاك ديريدا، بواسطة صديقة مصرية، تصلها صلة تلمذة حميمة به، وقبل جاك ديريدا الدعوة، واقترح أن يلقي محاضرة عن الجامعات فى العالم الحديث، وأن تتحلق حوله مائدة مستديرة فى الآداب، وأخرى حول الفلسفة. وجاء الرجل إلى القاهرة، واستقبلته في المطار محتفيا به، وأخبرته فى الطريق عن الصعوبة التى وجدتها فى قراءة الترجمة الإنجليزية التي قامت بها جياتري سبيفاك لكتابه، فأخبرنى أن ذلك يرجع في ظنه إلى أن المترجمة نفسها التي تتلمذت عليه لفترة لم تفهم الكتاب، وبدا فى كلامه نبرة حنق عليها، فقمت بتغيير الموضوع، وكانت معنا زوجه التي ظلت صامتة لأنها لا تتكلم سوى الفرنسية، أما هو فكان يتقن الإنجليزية التي حاضر بها فى الجامعات الأميركية، ولكنها إنجليزية ذات لكنة فرنسية واضحة لا تخطئها الأذن. فى اليوم التالى، ألقى الرجل محاضرته التي قمنا بتوزيع نسخة من ترجمتها على الجمهور، ولكن كان العدد أضعاف أضعاف ما يمكن أن نتخيله أو نتوقعه، ففتحنا كل قاعات المجلس للجمهور الذى ظل يستمع إلى المحاضرة باللغة الفرنسية، ومعها الترجمة التتابعية إلى العربية التي قام بها الدكتور حسن حنفي، ولم أر فى حياتى امتلاء كل قاعات المجلس وساحاته بهذا العدد الذى جاء احتفالا بجاك ديريدا، أو على الأقل لإشباع فضول معرفة هذا الفيلسوف الذي شغل الدنيا والناس، والذي أصبح أشهر رجال الفكر الفرنسي، وأكثرهم ترجمة إلى لغات العالم كله. ولحسن الحظ، كانت المحاضرة سهلة، ربما بسبب طبيعتها كمحاضرة شفاهية، ولم تكن صعبة ولا بالغة التعقيد. وقد أرجعت ذلك إلى تغير أسلوب ديريدا، من أسلوب النقض الفلسفي إلى أسلوب أكثر بساطة، وحريص على توصيل المعنى إلى أكبر عدد من القراء، وذلك دون معاضلة فلسفية كتلك التى كان يتبعها فى كتاباته الأولى.