وقفت على جبل عرفات مرتين حاجاً، ومتأملاً ذلك المشهد المحشري، ثمة هيبة للمكان تحتويك، والأصوات الملبية تطهر الجسد لتجعله بخفة الروح، في حين تظلل الرؤوس الحاسرة سحابة الرحمن من حر أو برد ذلك اليوم، فالحج عرفة، كما قال رسولنا الكريم، وعرفة أو عرفات، هو الملتقى، منذ تعارف أبونا آدم مع أمنا حواء· وعرفات مكان يحج إليه أفئدة الملايين، سواء من شد منهم الرحال لتأدية الفريضة، أم الذين يحتفلون بهذه المناسبة، في أرجاء المعمورة صياماً وقياماً· نقف مع الواقفين على عرفات، نتأمل ملايين الوجوه الخاشعة، نقرأ في محياهم، آيات التضرع، والابتهال، والتلبية، نعاين في تلك الوجوه، العزم والإيمان، والتقرب إلى الله عز وجل بالفرائض والنوافل، نلمس، كم هي قريبة تلك المسافات البعيدة، وكم هي زاهية ألوان البشر وآمال البشرية، وكم هي عميقة تلك القلوب بإيمانها ومحبتها، وكم هي ساكنة مطمئنة تلك النفوس في يوم عرفة المشهود· هذا هو المكان الرحب في اليوم الموعود إذاً، رحابة المكان، من رحابة الإيمان في الصدور، وعظمة الملتقى، من عظمة الخالق، المدبر، وقوة الإرادة من قوة الطاعة في السعي والازدلاف، والطواف، والاستعداد للتضحية والنحر واستكمال المناسك· في يوم عرفات، ما زال ثمة فسحة للتأمل في الوجوه الواقفة، هذا العربي المسلم القادم من المحيط، وشقيقه القادم من بلاد الشام والخليج، وجوه من الصين وروسيا وأفريقيا وآسيا وأميركا وأوروبا، يحمل كل منهم همه الخاص، وهموم القبيلة، والشعب، والأمة، ويحيط هذه الهموم بأسوار الإيمان بالله عز وجل، والتوكل عليه، ويقبض على جمرة العزم والعزيمة، يلقي بآماله وهمومه في بوتقة الجمع الكبير، لحجيج الرحمن، وتكبر البوتقة لتنصهر فيها هموم المسلمين القادمين من كل فج عميق، تتوحد المشاعر، والمواقف، والابتهالات في رحاب البيت العتيق، في الحرمين الشريفين الزاهيين ونحو الحرم الثالث الأسير هناك في فلسطين، ويكبر السؤال: من يفك الأسر، ومن يلبي دعوة المظلومين الصامدين، ومن يستل من معنى التضحية غداة الوقفة ويوم النحر، إرهاصات التضامن الإسلامي في قضية الأقصى، وليس قضية مسجد قبة الصخرة الذي يظهر في الصورة والمشهد التلفزيوني كلما تحدثنا عن المسجد الأقصى المهدد بالتقويض من أساسه، لأنه ثمة معبد يهودي يبنى منذ زمن في أميركا، وثمة حائط للمبكى ''البراق'' يجب أن يبقى، الأقصى قضية كل العرب والمسلمين· اليوم·· يستريح الواقفون على عرفات، من عناء السفر والترحال، وتتصافى القلوب والنفوس المتزاحمة في الشوارع، ووسائط النقل، وأسواق الحجيج، ويستريح معهم أولئك الذين ودعوهم في المطارات ومحطات الباصات والقطارات ليتسمّر بعضهم أمام شاشات التلفزيون، علّه يحظى بفرصة مشاهدة وجه مألوف، أو قريب محظوظ، فقد انتهى الزمان الذي كان الناس فيه يودعون حجاجهم حتى الحدود ويستقبلونهم عند نقاط العبور الدولية، وانتهى زمان أقواس الفرح على الأبواب ورفع الأعلام ''البنديرة''، وإهداء السلامات عبر الإذاعات، قلّ انتظار الأطفال للحاج العائد بالهدايا والمسابح والطواقي و''كاميرا مكة'' وشفايا الحج· الآن، وفي يوم عرفة المشهود، ثمة دعاء مستجاب بإذن الله، بتوحيد الكلمة، والموقف، والمشاعر وبالعودة بالسلامة بعد إجازة العيد إن شاء الله··