لأمي قطفتان من رطب الصباح، ومن صبا اللوز المؤرجح في الغصون. لأمي حين تنهض يحتفي الضوء وينتشر اللغط الحميم. وأمي حين تخطر في الحديقة تشرئب القرنفلات وترن أجراس البنفسج في الأعالي وينتشي العشب وتخضر السنون. وأمي حين تمضي في الضحى وتسير في البيت المشاكس، يرف حريرها في الضوء كأجنحة الفراشة وهي تمضي في الرحيق.. لأمي مجدها الأخضر وحناء المسرة وقهوة الصبح الندية وروح الهيل ممزوجا بروح الزعفران ممزوجا بماء الورد. وأمي حين يرخي الليل عتمته نعرف أين مجلسها كما القنديل مشتعلا. وأمي حين تتركنا تترك ضوءها فينا وتترك روحها الحلوة ترف لتحرس الأحلام. وأمي كائن لا ينتمي للطين ربما جاءت من الأفق البعيد ومن اكتناز الحب، فالصدر مثل الكون متسع والكف فيض الماء. وأمي روحها ماس في صلابته، وماس في طبائعه، وماس في جدارته. وأمي قلبها لؤلؤة مخبأة بصندوق من الذهب. وأمي حين تبتسم تكتسي الأشجار خضرتها وتنهض في زوايا البيت عناقيد من الألق، وينمو في صحارى الروح شيء يشبه الزغب. نعم أمي، أحبك كل هذا الحب. أحبك أن تحيطيني كما تلتف من حولي رحاب الكون، أحب أن أؤوب إليك من تعبي وأسفاري ومن عثرات أحلامي. أحبك مرفئي الدائم إذا طوحتُ بالمجداف في ضباب اليم. أحب حضنك الدافئ إذا ما سيّج العتبات جنون الثلج. أحبك من أجل أن أرقى، وأن أسمو، وأن أصفو، وأن أبدو مثل الطيف منسوجا من الألق..! نعم أمي.. أحبك أن تحبينا.. كما نحن بحكمتنا أو حماقتنا، بطيش الروح والأهواء والنزوات بما نختار وما نؤمن.. وإن لاحت تلك الريشات في القادم فلا تنزعي الريشات لأني اعشق الهجرات والإسفار، ولا تتشبثي حتى بذيل الثوب فاني قد أمزقه واتركني لعرى الشوق، ولا تقبضي كفي حين اخط بحبر العمر مساحاتي وأهوائي، ولا تضفري شعري فشعري صار منذورا لزهو الريح، ولا ترسمي خطوي فإني قد وهبت الخطو مروج التيه وآخذ حبك زادا لأسفاري وهجراتي. أحبك أن تغفري الزلات، وان تسهي عن النسيان، وأن نبدو لعينيك صغارا بعد لم نكبر على حبك، وأن نبدو في عينيك كما لو أننا الأجمل والأفضل والأسمى والأرقى والأكمل. احبك أن تعرفي أنّنا إن عبثت بنا الأحزان أو أترعنا بالنشوة، وإن حاقت بنا العتمة أو أرخت لنا الأقمار فتنتها، وإن شت بنا الدرب وضيعنا بصائرنا، وشد العمر قيد العمر، وحتى في أواخرنا.. نحنّ لنبعك الأجمل ..!! نعم أمي أحبك كل هذا الحب...! حمدة خميس hamdahkhamis@yahoo.com