أن لا ندعي المثالية لا يعني أن نتقبل كل الخطايا بدم بارد وبلا ضمير، فلا يحمي استمرار المجتمعات الإنسانية شيء أكثر أهمية من الضمير، والضمير إما أن يكون ضميرك الذاتي الخاص الذي يعمل كبوصلة أخلاقية لك ليلاً ونهاراً سراً وعلانية ودون توقف وإما أن يكون ضميراً خارجياً، يقوم بالدور نفسه يراقبك ويوجهك ويضبط معايير وموازين تصرفاتك وفق ما تؤمن به الجماعة التي أنت أحد أفرادها كالدين والأخلاق والقوانين، فلكل مجتمع قوالب يحملها كل منا أينما ذهبنا، ونستلقي فيها كلما هممنا بعمل أو سلوك، الضمير الجمعي هو هذا القالب وكلنا أو أغلبنا على الأقل نؤمن به وبتأثيره علينا، ولا بأس في ذلك فابن خلدون قد قرر منذ قرون بأن الإنسان كائن اجتماعي بالفطرة، وكل من آمن بفكرته آمن بضغط وأهمية الجماعة في حياته وبضرورة قوالبها في حفظ حياة المجتمع ومنظومة قيمه وأخلاقياته وتماسك نسيجه وعلاقاته. حينما نتمرد على الجماعة التي انبثقنا منها، أو حينما نعتقد باستحالة التعايش معها أو الاستمرار في العيش ضمن قوالبها فإن خللاً ما يكون قد حدث للفرد وليس للجماعة، والخلل أو التشويش الذي يحصل للفرد عادة ويجعله ينبذ جماعته أو يتمرد على أهله أو يرفض البقاء في مجتمعه أو يترك وطنه له أسباب كثيرة ومتشعبه، وهو يشبه ذلك التشويش الذي تحدث عنه أستاذ الإعلام الشهير مارشال ماكلوهان حين شرح الثلاثية الثابتة في حركة الرسالة الإعلامية التي تخرج من عند المرسل (رجل الإعلام) لتمر بقناة أو وسيلة إعلامية معينة حتى تصل الى المستقبل او الجمهور، عادة لا تسير الرسالة في هذا المسار السلس كما نتحدث عنه، لذلك لا تحقق أهدافها، فهناك عوائق أو تشويش يعترض طريقها، والإنسان في المجتمع يتعرض لتشويشات كثيرة تجعله يعاني حالة التمرد والاعتراض والرفض ! مع كل ذلك فإن الإنسان الذي حقن أو تم تزويده خلال سنوات نشأته الأولى بمجموعة من الأساسيات التي ستشكل لاحقاً حجر الأساس لكل حياته وتعاملاته ونظرته للحياة، هذا الانسان سوف يكون محميا إلى حد ما من تلك التشويشات التي قد تخلخل علاقته بقيمه وأسرته ودينه ومجتمعه ووطنه، وفي المحصلة النهائية، فان الانتماء للوطن والعائلة والجذور الأساسية التي تشكل امتدادنا وبصمتنا الوراثية وهويتنا ليس من السهل بناؤه فإذا تأسس صار من الصعب خلخلته او العبث به، إن الذين يعانون من تشوه في الانتماء لأوطانهم وجذورهم وامتداداتهم وهويتهم لا جذور حقيقية لهم وربما يعلنون عدم الانتماء كنوع من التعبير عن القهر أو ردة الفعل التي يريد صاحبها جلب الانتباه للحصول على مكسب ما أو مصلحة بعينها فيلجأ الى هذه الحركات البهلوانية! في تراثنا الإسلامي فإن الجماعة رحمة، وأيا ما كان معنى “الجماعة” هنا أو ما يمكن ان تحيله الكلمة من تداعيات وتراث طويل من الجدل، فان البشر لا يتمردون على الجماعة الا حين يشعرون باستحالة توافقهم مع اشتراطاتها الأخلاقية والفكرية والسلوكية، وهم في سعيهم للبحث عن أوطان بديلة واسر بديلة وجذور بديلة يسقطون في الفراغ وما يشبه التيه، فلا بديل للجذور والهوية والوطن، والعائلة ونادرا ما تمكن أحد من خلق توازن بين المنفى وبين عقله وقناعاته، فبعد رحلة شتات يعود المنفي ليدفن في أرضه ويلوذ الهارب الى حضن عائلته والضائع الى ظل شجرة في دار قديمة كان قد نظر إليها شذراً ذات عمر بعيد! الوطن لا يستبدل بوطن، والأوطان لا تستبدل مواطنيها ايضا، تلك علاقة لا يستقيم معها قانون البدل والاستعارة والإجارة، تلك علاقة خارجة من رحم الأرض عبر مشيمة الجذور والذين يعتقدون بانهم رسخوا جذوراً في غير تربتهم يظلون متوجسين من أمر ما طيلة العمر! ayya-222@hotmail.com