هناك عاملان ثابتان في الإعلام لا يمكن التغافل عن أهميتهما كما لا يمكن تصور أي منافسة أو تطور في ظل عدم توافرهما: المهنية والحرية، المهنية تستلزم العلم والمعرفة والثقافة والاطلاع والاحتكاك والتدريب والاقتناع بأخلاقيات الصحافة وقيمها وأدوارها، باعتبارها وسيلة قيمية ذات رسالة ومنفعة. أما الحرية فتتطلب إشاعة مناخ جيد من حرية الرأي والتعبير، واحترام حق الحصول على المعلومة، وتحرير الصحفي من قيود كثيرة جداً يقول التاريخ الاجتماعي والسياسي للشعوب المتطورة بأنها – أي هذه القيود – كان معمولاً بها في قرون الاستبداد والطغيان والأنظمة الشمولية القديمة من مثل قيد الرقابة وقيد التراخيص وقيد السجون والمحاكمات وقيد الضرائب، فعندما يتحرر الإعلام من هذه القيود يصير حراً وقادراً على اجتراح فعل الإبداع والتطور والمنافسة، أما الذين يبحثون عن المنافسة في ظل امتلاك رؤوس الأموال فقط وانعدام الحرية فهؤلاء لن يصلوا الى أي طريق يقود الى فضاءات إعلامية حقيقية وفاعلة. الإبداع يستلزم الحرية، والحرية تقود الى تفعيل العقل وإطلاق المواهب التي بدورها تقوي المنافسة، وتحقق نوعيات متميزة من النتاجات الإعلامية، إن على مستوى الإعلاميين أو البرامج أو الفضائيات بشكل عام، وللأسف فإن في بلداننا العربية كثيرين يعتقدون أن الإعلام الناجح هو الإعلام المستند على قاعدة قوية من رؤوس الأموال، وإن الإعلامي المتميز هو الإعلامي المنتمي للسلطة أو ذاك الذي تتوافر فيه أو فيها مواصفات محددة على صعيد الشكل الخارجي ولا بأس بقدرات متنوعة فيما يختص بالإلقاء وإجادة فن الحوار لكن كل ذلك يجب أن يتم في إطار من علاقات مصالح متبادلة ومتشابكة. في عالمنا العربي، لازال رئيس التحرير محسوباً في بعض الدول على السياسي، ولا زال البعض من يصير مديراً للتحرير دون أن يمتلك أي مرجعية فكرية أو سياسية أو حتى ثقافية من أي مستوى، فذلك – كما قال أحد هؤلاء – لا يهم طالما أنك تستند الى ظهر قوي يحميك ويدفع بك الى ما لم تكن تحلم به يوماً، الإعلام لا يزال مرتهناً لهذه العقلية في أماكن كثيرة وصحف عديدة وفضائيات مختلفة في بلداننا العربية، ومع ذلك نحن في هذا العالم أكثر من يتحدث عن شفافية الإعلام ودور الإعلام وحرية الإعلام وحرفية الإعلام ومنهجية الإعلام.. وما كان “كثيره ببلاش فأكثر منه” كما نقول بالعمية الدارجة في الإمارات !!! لقد أصيب العالم في الأشهر الماضية بهزات اقتصادية وسياسية وأرضية عنيفة وغير مسبوقة، فانهارت أنظمة ومؤسسات عملاقة، وانكشفت امبراطوريات صناعية هائلة بشكل غير متوقع كما حدث مع شركة “تويوتا” اليابانية التي وضعت سمعة الصناعة اليابانية كلها على المحك، الأمر الذي فتح شهية الإعلام والصحافة على المشاركة والمتابعة في الرقابة والمحاكمة، فلعب الإعلام دوره القديم كممثل للسلطة الرابعة التي هي الرأي العام ، بينما أصبنا هنا بانتكاسات وانكشافات أيضاً كحال كل العالم، إلا أن الصحافة لازالت تلوك حكاياتها القديمة وبعض إعلاميينا ما زالوا مستلبين أمام برامج الاستنساخ والتسلية وكأن كوارث لم تقع ! هل هذا بسبب انخفاض هامش الحرية ؟ هل هو بسبب حجب المعلومات وعدم إتاحتها بحرية للصحفي والباحث ؟ هل هو بسبب عدم حرفية الصحفي أو الإعلامي بشكل عام ؟ هو بالتأكيد بسبب كل ذلك !