كم من عقود تمر·· و''المحمل اليازي'' ما تزال تودعه الدموع المتصلبة، المتدثرة خلف البراقع، والخطى الخجلى على سيف البحر تسافر مع الموج، أغاني الصبا، تباشير النخيل تطارح الأشرعة هوى السنين، لهفة الأبواب المواربة على الحزن بين الحين والحين· كم من عقود تمر·· تجر وطناً من رؤى الأحلام، والمحمل المتخطي سنوات الصبر·· العابر لجج البحر، الباحث عن أندر الأصداف، عن أثمن اللآلئ، ليطرز للعرس الآتي عقداً يزين جيد الفتاة، فتاة البدو والحضر، فتاة النخل والجبل، فتاة الحشمة والصبر· كم من عقود تمر عليك أيها المسافر الغائب الآيب، كم من رياح إنتوت ''محملنا اليازي'' كم من سواعد ثكلى جرّت نواح المجاديف، أرسلت آهاتها السكرى الغبب الزرقاء، والنهام يختصر الليالي·· يطوي المسافات، والموج·· يسري الموج بأحلام الغائصين في الأعماق، والمهر، كلّ المهر للفتاة·· للإمارات· يتضوع القلب·· يتوهج باللظى، يمارس طقوس الشعر، يناغيك يا ابن القصيد، الراحل عنا، المسافر فينا بلا حدود· ها نحن نقف اليوم في ذكراك على كل الأشياء العابقة بثرى المطر، المبللة بتسابيح الفجر، الموشاة بخوص النخل· نقف على الأشياء ونسميها باسمك، بحراً، سيفاً، رملاً، خنجراً وقصيداً·· ها نحن نقف نقرأ السطور، وتدعونا إلى قراءة ما بين السطور· تدعونا إلى التوشح بكل طاقات الإيحاء في بيت القصيد، وتعلمنا أن الرمل قابل للإخضرار، قابل للوهج وقدح الشرر·· تحذرنا من الركض عند المنحدر·· وتسمي الحفر، وتسمي الورد والزهر، وتعلن أن اتحادنا قدر، وأن خندقنا العلم·· وأن الوطن حادينا، تسمي الأشياء بأسمائها، فكلنا في الوحدة شيء، وكلنا في غيرها لا شيء· وعندما تمضي، يبقى القصيد منك وفينا·· تصعد تعانق الذرا، تلمس الثريا، وتهيئنا لاحتضان البحر، ولثم الرمل، واحتواء المستحيل· نحن إذن·· على أعتابك اليوم نقف ونسأل، هل غادرنا الحلم والمكان؟ ونسأل هل غادرتنا صيرورة الزمان، ونسأل هل بقيت فينا هَبّة البدوي، وصبر البحار؟ أم نمضي كما سيل الزبد؟ نجترّ تباريح عن ''هيرات'' اللؤلؤ والمحار، عن الأسفار في لجّ البحار، عن ضراوة رجال رؤوس الجبال· ليس حسبنا ذلك، ليس يكفينا قصيد النخيل القابع في المزهريات، مقطوع الجذور، ليس يكفينا ''المبرز'' في الدور العاشر، والشقة المصبوبة بحجم القامة·· والباب الموارب عن الجار، لا ليس يكفينا الغلام القادم من خلف بحور المآسي لنعلمه الرمس، ويعلمنا التسبيح بحمد الأشياء· هو الخيط الرفيع بين الفنار و''النيون'' بين الطين والاسمنت، بين الوفاء والرياء، بين الرجال وهرط الرجال، بين القصيد والهذر بالادعاء· وحين يقطب ''المحمل اليازي'' أشرعته بعد عقود من الإبحار، تهبّ القلوب من ليل الانتظار، وتكون الفرحة بحرارة الدمعة التي رافقت الجميع، تصبح الضحكة تسابق الخطى المتعثرة للقيا، ترش العيون كلمات الشوق من بعيد، وتكبر الفتاة·· تكبر الإمارات·· ويليق بها عقد غزلناه، وكتاب سطرناه ونشيد غنيناه، لنكتب بالوطن·· ولنكتب للوطن·