ذوو الحاجة يقولون حنونا من حنانكم، وأعطونا مما أعطاكم·· وهم لا يريدون صدقة، إنما يطالبون بحق، وحقهم على الوطن أن يقف معهم كتفاً بكتف ويعضدهم، ويقوي من عودهم، ويشد من أزرهم ليواجهوا الحياة بقلوب منشرحة ونفوس كريمة، وأعناق مرفوعة، وقيم مصانة، وكرامة لا مهانة·· هؤلاء الذين نسمع صرخاتهم كل يوم، ونشهد دموعهم كل صباح، أبناء لنا وبنات، أخوة لنا وأخوات، وصرخاتهم التي يطلقونها كل يوم، تزلزل الأرض من تحت أقدام كل ذي ضمير، وقلب نابض حي·· صرخات هؤلاء جروح مفتوحة، تنز بالألم، ولا يتصور الإنسان كيف حال امرأة تقضي الليل تهدهد أطفالها بنشيد مجروح، وتمنيهم بسراب صباحي، يأتي محملاً بفاقة تكسر القلب، وتحني الظهر، وتلقي بالنفس في غياهب أسئلة لا إجابات لها، غير دمعة مذروفة وآهة مفروقة، وروح مخطوفة، والأمنيات كثر· لا يتصور الإنسان ما حال رجل يفتح عينيه في الصباح ويرى صغاره ينتظرون مصروف النهار، فيضع اليد في الجيب الخالي، فيخرجها بيضاء من غير سوء، فلا يجد الصغار إجابة غير وجه أب يجلده الخذلان والإحساس بالانكسار المروع أمام صغاره الذين يعتقدون أنه أب وأنه على كل شيء قدير· لا يتصور إنسان ما حال طفل يذهب الى مدرسته ولا يجد ما يساويه مع أقرانه، فيقف عاجزاً، ناجزاً، ناشزاً يحتله الخزلان، من أخمص قدمه حتى ذوائب الرأس، والآخرون الميسورون يتباهون ويتفاخرون ويتبارون بالتبذير واختيار الأشهى والأغلى من الطعام، ويمارسون رغبتهم في استعراض أحدث الصرعات والموضة في الملابس· ماذا يفعل الرقيع وعيناه يتجاذبهما وجه الأب المحسور، والمشهد الاستعراضي الفخور، ماذا يفعل هؤلاء وهم في مجتمع تراكمت فيه العقد كما تتراكم الطفيليات على جسد عليل· حقيقة نحن بحاجة إلى يقظة وإلى لفتة إنسانية تعيدنا إلى شيم أهل الإمارات وقيمهم السامية، نحن بحاجة إلى دحض سيل القيم المستوردة، والعودة سريعاً إلى الحياة الأجمل، التي صاغ عقدها النضيد، إنسان الإمارات، وتربى عليها·· نحن بحاجة إلى إرادة صارمة وجازمة، وحاسمة تقض مضجع هذا اللهاث، والخروج من الغيبوبة، والموت السريري، ونستعيد وجهنا الحقيقي، ونسير في الطريق الصحيحة· نحن بحاجة إلى أنفسنا التي تاهت إثر خضة رهيبة، ضيعت المعالم والملامح، وشوهت شكل الملحمة الرائعة التي بدأها الإنسان على هذه الأرض الطيبة·