«المعيار الوحيد للرواية هو أنه لا معيار لها».. لا أذكر على وجه التحديد أين قرأت هذه الجملة. المؤكد أنني قرأتها في كتاب عن نظرية الرواية. وأذكر أن صاحبها ناقد فرنسي لم أعد أذكر اسمه. لكن معنى الجملة نفسه وما تمثله من مبدأ نقدي خاص بالنوع الروائي لا يمكن نسيانه، وبالفعل فالرواية هي نوع أدبي بلا ضفاف، قياسا على عنوان كتاب روجيه جارودي الشهير «واقعية بلا ضفاف». وكان جارودي يقصد به وقت كتابته تحرير «الواقعية» من حيث هي منزع أو مذهب إبداعي من كل القيود والمواصفات الجامدة. بعبارة أخرى، كان روجيه جارودي يريد تحرير الواقعية، ومنها فن الرواية من المواصفات الجاهزة والثابتة التي أخرجت روايات فرانز كافكا من جنة الواقعية، نافية إياها إلى درجات دنيا من التصنيف أو التوصيف الذي لا يرقى إلى الدرجة العليا للواقعية. وبالفعل نجحت دعوة روجيه جارودي وأمثاله في تجريد الواقعية من قيود الواقعية الاشتراكية التي تغنى بها النقاد الماركسيون التقليديون، والواقعية النقدية التي وضعت في أركانها الروايات الواقعية السابقة على الواقعية الاشتراكية. والواقع أن المعنى الأهم للجملة التي ذكرتها في بداية المقال، أن الرواية فن شديد المرونة والمطاوعة والتأبي على أي شكل أو وصفة جاهزة يمكن للرواية أن تحتجز فيها. والدليل على ذلك بالغ البساطة: حاول أن تستخلص من الروايات التي قرأتها، أيها القارئ المحب للرواية، ما يكون بمثابة مواصفات للتميز منها. لكنك مهما حاولت وفعلت فستكتشف في النهاية أن هناك روايات أخرى كثيرة لا تنطبق عليها هذه المواصفات، ولكنها تظل روايات متميزة، وربما أكثر تميزا، من الروايات التي اعتمدت عليها في كل مرة تقوم بها بهذا الفعل الذي لا جدوى منه. ودعني أساعد ذاكرتك أيها القارئ. ربما تكون قرأت رواية على هيئة رسائل متبادلة بين حبيبين. وبالتأكيد سوف تجد إلى جانبها رواية لا رسائل فيها. وإلى جانب الرواية التي تقوم على صوت واحد للبطل، هناك الرواية متعددة الأصوات التي تقوم فيها كل شخصية برواية الأحداث من وجهة نظر كل منها. ولو تركت ذلك كله فسوف تجد الرواية التي تقوم على السرد الملحمي المحايد. ولماذا تنسى الروايات التي تدور على ألسنة الحيوانات. أما نوعية المضامين فلا حصر لها في الرواية كنوعية الأشكال. ومثال آخر على ذلك: خذ كُتاب الرواية الذين حصلوا على جائزة نوبل في ربع القرن الأخير، وقارن بين رواياتهم أو رواياتهن ستجد التنوع ماثلا، والتعدد مذهلا على كل المستويات. وفى النهاية ستبدو لك الرواية كالهيولي القادرة على التشكل بكل الأشكال التي يمكن أن يتصورها عقل. وفى ذلك سر من أسرار الإبداع والفن بشكل عام.