بين زليخة المتجهمة ونيكول المتفهمة أنحاز إلى بهية. ربما لا أحد، مثلي، يعرف من هي زليخة أو نيكول، لكنهما موجودتان. أما بهية، فإن الكل يعرفها، يكفي أن الراحل حديثاً محمد العزبي، ظل طيلة عقود الوعي العربي يغني لها ولعيونها، ففيهما كل الحكاية. وقد تعددت التأويلات عن بهية تلك. افترض المصريون أنها بلدهم، مع حق كل واحد فيهم أن يحبها على طريقته، فأصبح هناك 80 مليون بهية لثمانين مليون مصري. أما بهية عند الرجال العرب فهي أمر خاص جداً، تقبع في أذهان البعض مجرد فكرة، وتتجلى في سيرة البعض أكثر من ذكرى، وتحضر في يوميات البعض كعبق سري أو معلن. فالكل يغني مع محمد العزبي من أجل بهيته، وهو غناء لا يشبه ذلك الغناء الذي حفظه المثل، عندما صار الكل يغني على ليلاه، مع العلم أنها كانت ليلى واحدة عندما أنشد لها قيس بن الملوح: «يقولون ليلى بالعراق مريضة». بهية المعلنة أو السرية تعيش الآن موسمها السنوي. استأثرت لنفسها بعيد الحب «الفالانتاين»، الذي من المفترض أن يكون لكل العشاق، فإذا به يصبح عيداً نسائياً خالصاً، هذا على الأقل ما تقوله الأسواق ومحال الهدايا. منتجات من كل الأنواع، وأغلى الأسعار مخصصة لها أو لهن، ورود حمراء، وقلوب حمراء، وشرائط زينة حمراء، جاهزة لكي تترجم أشواق المحبين من الذكور. لا يعرف الهادي إن كان قد أسعد بهيته بما أهداها، ولا تكشف هداياها عن طبيعة رد فعلها، فاللون الأحمر كثير عليه أو قبيح في حضرته، وكل ما يناله في عيد الحب لن يكون أكثر من قلم لتوقيع الصكوك أو محفظة تذكره بواجبه المقدس أو ربطة عنق تجره بها إلى مصيره من دون أن ينتفض ولو مرة واحدة، على الأقل من باب تقليد صاحب توفيق الحكيم... لا يعرف كثيرون لماذا اختير الرابع عشر من شهر شباط (فبراير) للاحتفال بعيد الحب أو عيد «الفالانتاين»، وهو قديس يعتبر من أوائل شهداء المسيحية. وهناك روايتان عن قديسين حملا الاسم نفسه، والثابت تاريخياً أن القديس المعني قتل في 14 شباط عام 269 بعد الميلاد. واتخذت الاحتفالات بهذا التاريخ طابعاً دينياً وسياسياً قبل أن يحوله كيوبيد الطالع من الميثولوجيا الرومانية والمشهور بسهمه إلى عيد للحب. تلك حكايات متزيّدة عند العشاق المفتونين بشهر شباط، الذين يتناسون في المناسبة موقف الشيخ العثيمين منها باعتبارها تدعو إلى اشتغال القلب بالأمور التافهة. وقبل زمن، يبدو بعيداً الآن، كان شباط شهراً للمفخرة العربية، له غنت صباح في رسالة تعليمية، فقالت في درسها: «هيدا اسمو شهر شباط.. يعني فبراير». كان ذلك في زمن الوحدة المنتكسة أو المنكوسة، والظاهر أن دروسها لم تفلح، بسبب ما آل إليه حال الوحدة، ولأن الجزائريين والتوانسة نأوا عن الوحدة فظلوا يسمون شباط «فيفري»، وفعل مثلهم المغاربة فتمسكوا بتسميتهم «يبراير»، أما تسميات العقيد الراحل للأشهر فقد ذهبت معه إلى مثواه السري. بهية الحالية لا تعنيها كل هذه الحكايات، لا يهمها أمر القديس القتيل أو الوحدة الوئيدة، أو التسميات المتعددة لشهر من السنة أو ليوم منه. بهية هي ملكة هذا الحدث الموسمي، ومالكة القلوب الحمراء وتوابعها، وتقول في سرك: ليت كل حوادثنا على هذه الشاكلة، على الرغم من أن خافقك انضم منذ زمن إلى مستودع القلوب الكسيرة. adelk58@hotmail.com