البريد غير المرغوب فيه هو التعبير الأكثر تهذيباً لعملية إزعاج غير مهذبة على الإطلاق تأتي إلى بريدك بشكل دائم ومستمر وبلا توقف. والأكثر من ذلك أن الإزعاج الذي لا أمل حتى اللحظة في التوصل إلى حل تقني له، بعد أن أعلنت شركات الاتصال المزود الرسمي لخدمة الإنترنت في الدولة عن عدم قدرتها على فعل أي شيء حيال “الجنك ميل” أو البريد غير المرغوب فيه من قبل أصحاب البريد!!
وعليه ما عليك يومياً وربما في كل ساعة تتفقد فيها بريدك أن تلقي بهذه النوع من البريد إلى سلة المهملات مباشرة دون أن تفكر في فتحه لأن في ذلك مخاطرة فقد تتعرض لغزو جرثومي خطير، ستدفع ثمنه غالياً من عمر جهازك وملفاتك المحفوظة، بالرغم من أن «الهوتميل» اخترعت وسيلة تقنية لتصفية البريد المشتبه في خطورته وتصنيفه أتوماتيكياً على أنه بريد غير آمن وإلقائه مباشرة في خانة “الجنك ميل”، لكن المفارقة أن رسائل في غاية الأهمية تلقى هناك بفعل هذه الفلترة التقنية العمياء، وهنا فلا حيلة لا لـ«اتصالات» ولا لأصحاب البريد الالكتروني سوى تحمل تبعات ثورة التقنية فلا يوجد شيء كامل في هذه الدنيا.
الأشد إزعاجا من “الجنك ميل” أو البريد غير المرغوب فيه هي هذه الظواهر الصوتية الجوفاء التي تملأ فضاء الانترنت والبريد الالكتروني والتي هي عبارة عن أشخاص يحيطون أنفسهم بهالات من “العظمة” لا يمتون إليها بصلة لكنهم مصرون عليها، فهم يؤسسون لأحزاب وجمهوريات وجمعيات وربما امبراطوريات مصطنعة ومفبركة ولا أساس لها من الصحة، يطاردون بها خلق الله عبر هذا الفضاء المفتوح وغير المحكوم بأية قوانين أو أخلاقيات سوى ما يمليه ضمير المستخدم من قيم وأخلاق.
هؤلاء الأشخاص يفرضون عليك واجباً يومياً بمتابعتهم وفتح رسائلهم البريدية التي لا تتوقف ليلا ولا نهارا، فهم يفتون في كل أمر ويكتبون في كل قضية ويدافعون عن كل شخص ويتحولون بقدرة قادر الى كتاب ومترجمين ومحامين ورؤساء جمهوريات قادمة، هكذا من الفراغ، وكأن الناس دمى يحركونها كما يريدون، وعلى هؤلاء الناس ان يلتزموا وبشكل يومي بأداء واجب الاطلاع على هلوساتهم وهوس العظمة التي تجتاحهم، لكن ألا يمكن لكل هذا الانفجار العلمي والتقني أن يمنع هؤلاء من اقتحام خصوصيات الأفراد؟ قد يكون الامر خارجا عن سلطة «اتصالات» كمزود للخدمة فليس باستطاعتهم ضبط الفضاء الالكتروني بأي حال من الاحوال، لكن كيف أمكن لهؤلاء الوصول الى عناوين الناس ومطاردتهم بشكل دائم وببريد أكثر من مزعج ولا أخلاقي احيانا؟ هل صحيح أن منع هذا الإزعاج والسيطرة عليه أمر غير ممكن على الإطلاق ؟
إن هذا الإزعاج شبيه بإزعاج مندوبي البنوك والمكاتب العقارية وشركات الدعاية و... الخ، الذين لا يمتلكون براعة الإزعاج فقط ولكنهم يفقدون أدنى شعور بطبيعة وقيمة الوقت الذي يتصلون به؟ من أين لهؤلاء كل هذه القوائم من أرقام الهواتف يا ترى؟


ayya-222@hotmail.com